وإحدى رسائل هؤلاء الباحثين لا تزال مطبوعة على الآلة الكاتبة، ولم تنشرها صاحبتها وهي السيدة أسماء فهمي.
2
وقد أشرنا إلى بعض آرائها في كتابنا هذا كما سبق.
وجميع هؤلاء الباحثين ينظرون إلى المسائل في تطورها التاريخي، ولكنهم لا ينتقلون من مرحلة الوصف إلى المرحلة التالية من مراحل العلم وهي مرحلة التفسير.
والتفسير الصحيح للآراء الإسلامية المختلفة في التعليم هو أن نردها إلى المذاهب العقلية التي كان أصحاب هذه الآراء التعليمية يعتنقونها من جهة، ثم ملاءمة هذه الآراء لحالة المجتمع من جهة أخرى.
أي أن التفسير ينصرف إلى ناحيتين: ناحية عقلية، وناحية اجتماعية.
وعلى هذا الأساس الجديد الذي نطالب به، والذي لم يسبقنا إليه أحد من الذين عالجوا الكتابة عن التربية عند المسلمين، تستقيم النظريات التعليمية وترد إلى أصولها الصحيحة، ويتضح لنا السر في اختلاف مذاهب التعليم والتأديب في الممالك الإسلامية المختلفة في الشرق والغرب، وفي العصور المختلفة، وفي عقول المفكرين.
وخلاصة هذا الرأي الجديد الذي نقول به: أن أهل السنة كانت لهم طريقة خاصة في التعليم، وللفلاسفة طريقة أخرى، وللمتصوفة طريقة ثالثة، بل أكثر من هذا أن كل مفكر له طريقة خاصة في التعليم تتلاءم مع مذهبه، وتتفق مع مجموع آرائه.
وليس هذا غريبا في شيء؛ لأن التربية تعتبر جزءا من المذهب الفلسفي النظري أو العملي الذي يتصوره ويعتقده المرء في الحياة. ومن الطبيعي أن يعمل أصحاب المذاهب المختلفة على نشر مذاهبهم وإذاعتها في الناس، وتنشئة الأجيال الجديدة عليها، بطريقة من طرق التعليم؛ لأن من طبيعة الإنسان إذا اعتقد الحق أن يذيعه في الناس، ويحملهم على المشاركة فيه.
وهذا ما فعله أفلاطون قديما، حين تكلم في جمهوريته عن التربية ليطبع الناس على آرائه، ويصلح المجتمع.
وهذا ما فعله روسو، وسبنسر وغيرهما.
أي أن صاحب الفكر الجديد إذا أراد أن يضمن لآرائه الذيوع بين الناس، بطريقة عملية تحمل الناس على اعتناق آرائه، فإنه يصف طريقة التعليم الملائمة لهذه الآراء.
والتعليم الذي يذكره القابسي في رسالته، جزء من مذهب أهل السنة وعقيدتهم الإسلامية، والرسالة تبين الطريقة التي رأى أهل السنة أن يتبعوها في التريبة، لتعليم الأجيال الناشئة على مذهبهم، حتى يشبوا على اعتقاد آراء أصحاب الحديث، وأهل السنة.
وكان القابسي فقيها محدثا، ثقة في علوم الحديث، فهو يمثل هذا المذهب.
هذه الصلة بين القابسي وبين مذهب أهل السنة من ناحية، وبين مذهب أهل السنة وطريقة التعليم من ناحية أخرى، هي السر الذي نستطيع أن نفسر به الآراء المذكورة في رسالته.
وقد درجنا على هذا المنهج خلال ما قدمنا من بحث، والتزمنا هذه الطريقة في كل ما عالجناه، وبذلك تيسر لنا أن نفهم السر في اختلاف آراء المفكرين فيما يتصل بالتعليم.
ولما كان المعلمون في الكتاتيب هم من أهل السنة، شب الناس بالفعل على طريقتهم وتشبعت بها عقولهم، وتطبعت نفوسهم، وصعب الانصراف عنها، وأصبح المسلمون ينظرون إلى الحياة من خلال هذا المنظار. وبذلك ساد مذهب أهل السنة، وأصبح هو صاحب الغلبة في أغلب الأقطار الإسلامية.
أما الناحية الثانية التي بها تفسر الآراء التعليمية فهي نسبتها إلى المجتمع الذي ظهرت فيه هذه الآراء، ما دام التعليم مظهرا من مظاهر الحياة الاجتماعية.
وهذا يقتضي منا أن ننظر هل كانت الآراء التعليمية واقعية أم مثالية؟ فإذا كانت واقعية فإنها تصف ما هو كائن فعلا في المجتمع، وتعد في هذه الحالة ظلا للحياة الاجتماعية. وإذا كانت مثالية، فإنها لا تتعدى عقول الذين نادوا بها، ولا تمثل حقيقة المظهر الاجتماعي.
وقد كان القابسي واقعيا يصف ما كان يجري في المجتمع الإسلامي في القرن الرابع الهجري.