53
وانتشار التعليم، وتقدم العلم، متوقفان على الحضارة، «والمثال في ذلك أن القيروان وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والأندلس، واستبحر عمرانهما، وكان فيهما للعلوم والصنائع أسواق نافقة، ورسخ فيهما التعليم، فلما خربتا انقطع التعليم من المغرب إلا قليلا.»
54
والتفاوت بين الناس ناشئ عن حصول الملكات بواسطة التعليم، على عكس ما يظنه بعض الناس من أن هذا التفاوت راجع إلى اختلاف في حقيقة الإنسانية.
55
والعلوم المتعارفة بين أهل العمران على صنفين؛ علوم مقصودة بالذات كالعلوم الشرعية والطبيعية والإلهية؛ وعلوم آلية ووسيلة لهذه العلوم، كالعربية والحساب وغيرهما للشرعيات، والمنطق للفلسفة. وينبغي أن يوجه الاهتمام إلى علوم المقاصد أكثر من وسائلها، ولهذا يجب على المعلمين لهذه العلوم الآلية أن لا يستبحروا في شأنها.
56
والقرآن هو أول العلوم التي يتعلمها الصبي؛ لأن تعليم الولدان للقرآن شعار من شعار الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان ... وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل به بعض من الملكات. «وسبب ذلك أن تعليم الصغر أشد رسوخا، وهو أصل لما بعده.»
57
وهذا مما أخذ به جميع المفكرين في الإسلام.
ثم ذكر ابن خلدون بعد ذلك اختلاف الأمصار في الشرق والغرب في طريقة التعليم وما يبدءون به الصبي من العلوم المختلفة كما ذكرنا من قبل.
58
وعقد ابن خلدون فصلا عن ضرر الشدة بالمتعلمين، يدل على بصر شديد بعلم النفس، لأن: «من كان مرباه بالعسف والقهر، سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعا إلى الكسل، وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه.» وهذا شبيه بما يذكره علماء التحليل النفساني المحدثون في وجود عقدة نفسية كامنة في اللا شعور هي التي تحرك أفعال المرء.
والعسف يفسد في الصبي معاني الإنسانية، فيفقد الحمية المدافعة عن نفسه، ويصير عيالا على غيره.
لذلك ينبغي للمعلم في متعلمه، والوالد في ولده، ألا يستبدوا عليهم في التأديب.
على أنه إذا استحق الضرب، «فلا ينبغي لمؤدب الصبيان أن يزيد في ضربهم إذا احتاجوا إليه على ثلاثة أسواط شيئا.»
59
وهذا هو رأي القابسي. •••
والذين ألفوا في التعليم من المتأخرين عن ذلك، لم يفعلوا أكثر من تلخيص آراء المتقدمين دون ذكر المراجع التي رجعوا إليها، كما هي الحال في أغلب الكتب المؤلفة في العصور المتأخرة في جميع العلوم الإسلامية.
ومن هذه الكتب (رسالة في رياضة الصبيان) لشمس الدين الإنبابي، و(اللؤلؤ النظيم في روم التعلم والتعليم) لشيخ الإسلام أبي يحيى زكريا الأنصاري، و(تحرير المقال) لابن حجر الهيثمي، وفضل علم السلف على الخلف لابن رجب البغدادي.
وكل من رجع إلى هذه الكتب، يستطيع أن يعثر بسهولة على الأصل الذي استمد منه أصحابها آراءهم. فهي إما لابن مسكويه كما فعل الإنبابي في نقل «رسالة تأديب الصبيان»، أو الغزالي كما فعل الأنصاري في نقل شروط المعلم والمتعلم ، أو مما هو معروف في كتب الفقه والأدب.
الفصل الحادي عشر
| خاتمة
كتب الأستاذ كارا دي فو في كتابه «مذهب الإسلام»: «لا يجد الإنسان في الشرق الإسلامي ذلك الذوق الفطري للتعليم، ولا الميل للبحث عن المناهج العقلية، ولا الرغبة في التقدم في أمثال هذه المسائل.
ولم يهتم الإسلام بأمر الطفل، وكذلك لم تحفل به المسيحية. والطفولة عند المسلمين بسيطة، ويبدو أنها سعيدة. ولا نجد في القرآن إلا آيات قليلة جدا تتعرض لهذا الموضوع. فالكتاب المنزل لا يشمل إلا بعض الآيات الخاصة بالواجب نحو اليتامى وحمايتهم. هذا والسير التاريخية المتعلقة بالطفولة نادرة في الأدب الإسلامي. وقد ألفت رسائل جليلة في التربية باللغة العربية خلال القرون الوسطى، ولكن المؤلفين لها من المسيحيين العرب. وقد أهمل المفكرون المسلمون هذا الموضوع بعض الشيء. وأثر الابتكار فيما أضافوه ضئيل. وقد عرفوا الآثار التي ألفها المسيحيون، أو التي درسها المسيحيون، مثل الكتاب المؤلف في التربية والمنسوب إلى أفلاطون، والغالب أن يكون من مدرسة فلوطرخس، وهو الكتاب الذي قام بترجمته أحد المسيحيين.»