تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذات خد مورد

قوهية المتجرد

تأمل العين منها

محاسنا ليس تنفد

فبعضها قد تناهى

وبعضها يتولد

والحسن في كل عضو

منها معاد مردد

ولم يقفوا عند هذا، بل وصفوا مناظر الطبيعة ورغد العيش ونعيمه، وصحبة الإخوان، وغناء القيان، ومصايد الوحش والطير، ومجالس الأنس والسرور، وابتدعوا كثيرا من المعاني الجديدة كقول بشار:

يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة

والأذن تعشق قبل العين أحيانا

قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم

الأذن كالعين توفي القلب ما كانا

وقال أبو تمام:

وإذا أراد الله نشر فضيلة

طويت أتاح لها لسان حسود

لولا اشتعال النار فيما جاورت

ما كان يعرف طيب عرف العود

بقيت هنالك أمور جديرة بالاهتمام كان يصح أن نقف عندها قليلا، فقد بالغوا في الوصف، وفتحوا باب القصص، وتغزلوا بالغلمان، ولكن المقام يضيق عن ذلك.

| هوامش

الكتاب الثالث

| عصر المأمون

الفصل الأول

| محمد الأمين

(1) توطئة

في التاريخ الأموي مأساة مروعة، وهي أن جند الوليد بن يزيد عبد الملك قتلوا خليفتهم وحزوا رأسه، وذهبوا به إلى يزيد فنصبه على رمح وطيف به في دمشق!

كانت تلك المأساة المروعة نتيجة دعوة سياسية حادة على الخليفة الوليد الذي تشبه حالته السياسية من جل وجوهها حالة الأمين، فقد كان من ضحايا نظام ولاية العهد الثنائي؛ ذلك بأن والده يزيد بن عبد الملك أراد أن يجعله خليفة بعده، فاضطر إلى تولية أخيه هشام، ثم ابنه الصغير الوليد بعد هشام.

فحاول هشام أن يولي ابنه مسلمة بدل الوليد، كما حاول يزيد من قبل تولية ابنه الوليد، فلم يفلح هذا ولا ذاك، وكانت النتيجة المعقولة لخطتهما السياسية من محاولة كليهما خلع ولي العهد والبيعة لولده، أن انضم إلى كل بعض القواد والزعماء والأنصار تأييدا له فيما يريد.

وكان هؤلاء القواد والزعماء والأنصار يصبحون موضع المقت والاضطهاد من ولي العهد المضطهد متى ولي الخلافة وصار الأمر إليه، فإذا ما اضطهد الخليفة نفسه وحبطت خطته كان نصيب سيرته من الرواة نصيب الوليد بن يزيد، وهو نصيب محمد الأمين.

نريد أن نقول إرضاء للعلم والتاريخ والمنطق أن الرواة إذا قالوا مثلا: إن الوليد كان كافرا أو كان مجموعة قبائح، أو أنه سلم يوسف الثقفي كلا من محمد وإبراهيم ابني إسماعيل المخزومي موثقين في عباءتين، وأن يوسف أقامهما للناس وجلدهما وعذبهما وأماتهما، أو قالوا: إنه حبس يزيد بن هشام، وفرق بين روح بن الوليد وبين امرأته، أو ذكروا أنه عذب خالد بن عبد الله القسري سيد اليمن، وأنه سلمه للثقفي فنزع ثيابه وعذبه مر العذاب حتى أماته، أو وصفوا منافسه يزيد بالنسك والورع، فإن من واجب المؤرخ المنصف المتحري للحقائق التاريخية، والراغب في النصفة العلمية، والمتمشي في أناة وترو وحكمة مع الافتراضات التحليلية، والخاضع لأحكام المنطق والحيدة والتعقل، أن ينظر بتحفظ وتحرز كبير إلى مثل تلك الروايات التي يوصف بها الخليفة المضطهد والمغلوب على أمره، وكل من انثل عرشه وضاع ملكه، وختمت بالقتل أو الحرمان حياته.

على أنه يجدر بنا أن نتساءل قبل أن نقتحم موضوعنا في هدوء وسكون: ما هو الروح الذي يغلب على الرواة المعاصرين، والشعراء المعاصرين، والكتاب المعاصرين والمحدثين المعاصرين؟ وما النهج الذي تسلكه الصحافة المعاصرة؟ أليس هو إلى حد غير قليل مناصرة الحزب القوي أو الزعيم القوي مناصرة حارة قوية حادة، وقد لا تخلو من مبالغة في تمدحها بمحاسنه، وإغراق في زرايتها على خصمه بنقائصه.

فمهمة المؤرخ إذن - حين يعرض لحياة خليفة مضطهد انتهت حياته بحز رأسه، مثل حياة الوليد بن يزيد الأموي، ومحمد الأمين العباسي، وحين يعرض لتحليل حياة خليفة منتصر، مثل حياة يزيد خصم الوليد في العصر الأموي، وحياة عبد الله المأمون خصم محمد الأمين في العصر العباسي - ليست ميسورة معبدة؛ بل هي جد شائكة.

عصر المأمون · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٨٣