نقض الذي أعطيته نقفور
وعليه دائرة البوار تدور
أبشر أمير المؤمنين فإنه
غنم أتاك به الإله كبير
فلقد تباشرت الرعية أن أتي
بالنقض عنه وافد وبشير
ورجت يمينك أن تعجل غزوة
تشفي النفوس مكانها مذكور
أعطاك جزيته وطأطأ خده
حذر الصوارم والردى محذور
فأجرته من وقعها وكأنها
بأكفنا شعل الضرام تطير
وصرفت بالطول العساكر قافلا
عنه وجارك آمن مسرور
نقفور إنك حين تغدر أن نأى
عنك الإمام لجاهل مغرور
أظننت حين غدرت أنك مفلت؟
هبلتك أمك ما ظننت غرور
ألقاك حينك في زواخر بحره
فطمت عليك من الإمام بحور
إن الإمام على اقتسارك قادر
قربت ديارك أم نأت بك دور
ليس الإمام وإن غفلنا غافلا
عما يسوس بحزمه ويدير
ملك تجرد للجهاد بنفسه
فعدوه أبدا به مقهور
يا من يريد رضا الإله بسعيه
والله لا يخفى عليه ضمير
لا نصح ينفع من يغش إمامه
والنصح من نصحائه مشكور
نصح الإمام على الأنام فريضة
ولأهلها كفارة وطهور
فكر الرشيد راجعا في أشد محنة وأغلظ كلفة حتى أناخ بفنائه، فلم يبرح حتى رضي وبلغ ما أراد، فقال أبو العتاهية:
ألا نادت هرقلة بالخراب
من الملك الموفق بالصواب
غدا هارون يرعد بالمنايا
ويبرق بالمذكرة القضاب
ورايات يحل النصر فيها
تمر كأنها قطع السحاب
أمير المؤمنين ظفرت فاسلم
وأبشر بالغنيمة والإياب
وكان الشعراء يلعبون دورا هاما في الحياة الحزبية، وحسبك أن تعلم أن للخلفاء شعراء اختصوا بهم كأبي دلامة، وحماد عجرد، وبشار بن برد، ومروان بن أبي حفصة، وسلم الخاسر، وأبي نواس، ومنصور النمري وغيرهم.
وللبرامكة شعراء أمثال: أبان بن عبد الحميد، وابن مناذر، والرقاشي وغيرهم، ولسائر الأمراء شعراء، وهناك شعراء لم يكتسبوا بالشعر كصالح بن عبد القدوس، وشعراء للشيعة كالسيد الحميري، وسليمان قتة، ودعبل، وشعراء لم يتحضروا كربيعة الرقي وكلثوم بن عمرو العتابي وغيرهم. وإنا نحيلك هنا إلى ما أثبتناه لك من منظوم العصر العباسي في الكتاب الثاني من المجلد الثاني.
وجماع المقال أن الشعر العباسي قد تضمن فنونا عديدة، ولكنه لا يحتج به في اللغة كالأموي مثلا؛ لأن النقدة في الشعر والأدب جعلوا حدهم بشارا ولم يتعدوه؛ بسبب تفشي اللحن واستفحال اختلاط الأعجام بالعرب.
على أن الشعراء العباسيين قد تفننوا في أنواعه أيما تفنن من قول في المهاجاة إلى قول في الأخلاف، إلى ملح إلى تضرع إلى وصف إلى هجو الخلفاء برضاهم إلى مدحهم.
وعلى الجملة فقد استعملوه في كل غرض من أغراض الحياة من مفاخرة وخمريات وزهريات ورثاء، كما أن منهم من ذكر الوقائع العربية في شعره، فأثرى الشعراء وأترفوا، وحسبك أن تعلم أن سلما الخاسر خلف ثروة مقدارها 50000 دينار، 1500000 درهم غير الضياع، ومثله مروان بن أبي حفصة وغيرهما. وسكن الشعراء الآطام والقصور، واقتنوا الأنف الحسانة من الحدائق وشاهقات الدور، واستخدموا الجواري والغلمان، وأمعنوا في شهواتهم ولذاتهم، وتنعموا بحطام الدنيا ومرافهها، فسهلت ألفاظهم، ورقت طباعهم، وقل اقتضابهم، وحاولوا الخروج على الطريقة القديمة، وأرادوا أن يستبدلوا الخمر وساقيها من الدار وبانيها، وتقدم في ذلك النواسي يحمل علمهم فقال:
صفة الطلول بلاغة القدم
فاجعل صفاتك لابنة الكرم
وقد بالغ في ذلك حتى سجنه الخليفة وأخذ عليه ألا يذكر الخمر في شعره، فقال:
أعر شعرك الأطلال والمنزل القفرا
فقد طالما أزرى به نعتك الخمرا
دعاني إلى نعت الطلول مسلط
تضيق ذراعي أن أرد له أمرا
فسمعا أمير المؤمنين وطاعة
وإن كنت قد جشمتني مركبا وعرا
ونهج كثير من الشعراء نهج أبي نواس وركبوا مركبه، وإن كان للطريقة القديمة محبوها حتى الآن. •••
هذا الترف الذي شمل القوم - يضاف إليه اختلاطهم بالأعاجم وما كان لهم في ذلك الوقت من حرية في التصور والتفكير - جعلهم يفتحون في اللغة العربية فتحا جديدا يتناولون فيه أفكار الفرس واليونان فيدخلونها في أشعارهم وآثارهم، وتمتد أيديهم إلى كثير من اللفظ الأعجمي يصورون ما جاد به النعيم، وما استلزمته الحضارة، فيقول أبو نواس في ذلك: