تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يكون من الحصافة والنصفة العلمية أن يعرض ما يرويه الرواة المعاصرون من مدح للغالب وانتقاص للمغلوب على بساط البحث التحليلي، ولسنا نرمى بذلك إلى أن ترفض مقولاتهم، وتنتقص - بلا حق - وجاهة رواياتهم، وإنما نوصي بالحيطة والاحتراس لا أكثر ولا أقل. (2) مولده

بعد هذه التوطئة الوجيزة التي لم نر ندحة عن إثباتها في هذا الموضع، نبدأ كلمتنا عن محمد الأمين من الناحية التحليلية لأخلاقه، أما ناحية النزاع الذي شجر بينه وبين أخيه المأمون، فلها موضعها التاريخي من كتابنا.

هو محمد الأمين بن هارون الرشيد، ولد سنة سبعين ومائة هجرية، وهي السنة التي استخلف فيها والده الرشيد، وكان مولده بعد مولد أخيه عبد الله المأمون بستة أشهر، وولد المأمون في الليلة التي استخلف فيها والده.

وأم الأمين أم جعفر زبيدة بنت جعفر بن المنصور؛ فهو هاشمي الأب والأم، وقيل: إن ذلك لم يتفق لخليفة عباسي غيره.

وإذ كان أخواله هاشميين ولهم في الدولة نفوذ قوي وكلمة مسموعة، فقد سعوا، فيما يحدثنا التاريخ، حين مد جماعة من بني العباس أعناقهم إلى الخلافة، إلى أن يكون الأمر إلى ابن أختهم، وقد نجحوا.

سعى خال الأمين عيسى بن جعفر بن المنصور إلى الفضل بن يحيى الذي بعثه الرشيد على رأس جيش إلى خراسان، لمحاربة بعض الخارجين على الخلافة، وتسكين الاضطراب في تلك النواحي، وقد كان التوفيق حليفه في ذلك الوجه، فقال عيسى للفضل: «أنشدك الله لما عملت في البيعة لابن أختي، فإنه ولدك وخلافته لك»، فوعده الفضل أن يفعل، فلما كان الفضل بخراسان يدل بما واتاه فيها من ظهور على الخارجين، وهو بعد من آل برمك وزراء الرشيد، وأصحاب السلطان العظيم في الدولة، بايع لمحمد الأمين هو ومن معه من القواد والجند بعد أن فرق أموالا عظيمة، وأعطى أعطيات كثيرة، وتغني بذلك شعراء العصر، أمثال أبان بن عبد الحميد اللاحقي والنمري وسلم الخاسر وغيرهم. ولبيان وجهة نظرهم في البيعة نقتطف لك شيئا مما قاله سلم والنمري؛ قال سلم:

قد وفق الله الخليفة إذ بنى

بيت الخليفة للهجان الأزهر

فهو الخليفة عن أبيه وجده

شهدا عليه بمنظر وبمخبر

قد بايع الثقلان في مهد الهدى

لمحمد ابن زبيدة ابنة جعفر

وقال النمري:

أمست بمرو على التوفيق قد صفقت

على يد الفضل أيدي العجم والعرب

ببيعة لولي العهد أحكمها

بالنصح منه وبالإشفاق والحدب

قد وكد الفضل عقدا لا انتقاض له

لمصطفى من بني العباس منتخب

فلما تناهى أمر البيعة إلى الرشيد ووجد نفسه أمام «الأمر الواقع»؛ إذ قد بايع لمحمد أهل المشرق، بايع له بولاية العهد، وكتب إلى الآفاق فبويع له في جميع الأمصار.

ومن هذا تعلم ما يصح أن يعتبر سرا في أن الأمين كان ولي عهد الرشيد دون أن يكون أكبر ولده سنا. (3) نشأته وأخلاقه

تقرأ ما سطره أمثال «كارليل» عن «كرومول» و«فردريك الأكبر»، وما كتبه «ترڤيان» عن «ماكولي» و«بزول» عن «جونسون» و«اللورد مورلي» عن «جلادستون»، وغيرهم من الكتاب الذين يعرضون لكتابة تاريخ حياة الملوك أو الساسة أو العبقريين، فتلاحظ في جل كتبهم، وفي الدقيق المستوفى منها على الأخص، أنهم يحفلون أيما احتفال، بقيد ملاحظاتهم عن تاريخ بطلهم في طفولته، وكيف كانت ثقافته في ميعة شبابه وطراوة إهابه، وما هي الأوابد والغرائب أيام كان حدثا صغيرا.

وقد لا تدهشك متانة «ماكولي» وقوة سبكه وارتفاعه إلى ذروة البلاغة في أساليبه، ولا يهولك كثرة ما حفظ ووفرة ما اطلع، إذا علمت، مثلا، أنه وهو لم يعد السادسة أو السابعة كانت محفوظاته في طفولته تبشر بعبقريته في رجوليته، وكذلك يقال عن «شارلس دكنز» وسيع الاطلاع في صباه على جل ما سطر وكتب، حتى صار في مقتبل حياته وقد ملك ناصية البلاغة، وتسنم الذروة في تعرف النفسيات وتحليل روح الطبقات كافة من بائسين معوزين إلى أشراف مترفين، وكذلك يقال عن «سپنسر» الفيلسوف العظيم والمربي النابه الذي كان يحفل في مبدأ نشأته، وهو لم يعد العاشرة مثلا، بالدويبات وغريب الهوام التي كانت على شاطئ النهر، فعكف على دراستها، فتولدت في نفسه صفات الجلد والأناة والمواظبة حتى أصبحنا نراه وهو في شيخوخته يخرج للناس المعجز المطرب في علم النفس وعلم الحياة وعلم الأخلاق وعلم التربية، وهكذا مما لا حد له ولا حصر.

عصر المأمون · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٨٤