تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يقدس العرب من علوم الحياة وفنونها شيئا أكثر من تقديسهم الشعر الذي استودعوه أفكارهم وأخبارهم، وحفظوا به فخرهم ومناسبهم، وساقوا به الجيوش والجحافل، فدكت عروشا وأبادت ممالك، وضمنوه من أخلاقهم وعاداتهم وشئون حياتهم ما جعله مكان فخرهم ومفزع أمرهم، فكنت تجد العربي يسمع البيت من الشعر فيترنح ترنح النشوان، ويثور حتى كأنه جبل نار، وكثيرا ما سجدوا أمامه لمكانه من نفوسهم، وقد روى الأصمعي وغيره من ذلك شيئا كثيرا.

وقد بقيت للشعر هذه المكانة في كل عصوره العربية، ولم ينل منه أن دولة العباسيين قامت على سواعد الفرس، وحلوا منها مكان الصدور والحكام، فإن الخلفاء والسادة وجمهرة الأمراء والأدباء كانوا يحملون فوق أكتافهم رءوسا عربية حفظوا فيها تراث آبائهم ومفاخر أجدادهم ، وأقبلوا على الشعر وإنشاده، وكانوا هم أنفسهم يقرضون الشعر. وإليك ما جاء في عيون الأخبار عن المنصور قال: كان عمرو بن عبيد إذا رأى المنصور يطوف حول الكعبة في قرطين يقول: إن يرد الله بأمة محمد خيرا يول أمرها هذا الشاب من بني هاشم - وكان له صديقا - فلما دخل عليه بعد الخلافة وكلمه وأراد الانصراف، قال: يا أبا عثمان، سل حاجتك، قال: حاجتي ألا تبعث إلي حتى آتيك، وألا تعطيني حتى أسألك، ثم نهض فقال المنصور:

كلهم ماشي رويد

كلهم خاتل صيد

غير عمرو بن عبيد

فلما مات عمرو رثاه المنصور فقال:

صلى الإله عليك من متوسد

قبرا مررت به على حران

قبر تضمن مؤمنا متحنفا

صدق الإله ودان بالقرآن

وإذا الرجال تنازعوا في سنة

فصل الحديث بحكمة وبيان

فلو ان هذا الدهر أبقى صالحا

أبقى لنا حيا أبا عثمان

ولقد أحضروا لأبنائهم المؤدبين يقفونهم على الشعر واستظهاره، وجلسوا للشعراء مجالس أثابوا فيها وأعطوا ووهبوا من المنح ما وهبوا؛ روى الفضل بن الربيع أن مروان بن أبي حفصة دخل على المهدي، بعد وفاة معن بن زائدة الشيباني، في جماعة من الشعراء فيهم سلم الخاسر وغيره، فأنشد مديحا فيه، فقال له: ومن أنت؟ قال: شاعرك يا أمير المؤمنين وعبدك مروان بن أبي حفصة، فقال له المهدي: ألست القائل:

أقمنا باليمامة بعد معن

مقاما لا نريد به زوالا

وقلنا أين نرحل بعد معن

وقد ذهب النوال فلا نوالا

قد ذهب النوال فيما زعمت، فلم جئت تطلب نوالنا؟! لا شيء لك عندنا، جروا برجله. فجروا برجله حتى أخرج، فلما كان من العام المقبل تلطف حتى دخل مع الشعراء فمثل بين يديه وأنشد:

طرقتك زائرة فحي خيالها

بيضاء تخلط بالجمال دلالها

قادت فؤادك فاستقاد ومثلها

قاد القلوب إلى الصبا فأمالها

قال: فأنصت له الناس حتى بلغ قوله:

هل تطمسون من السماء نجومها

بأكفكم أو تسترون هلالها؟

أو تجحدون مقالة عن ربكم

جبريل بلغها النبي فقالها؟

شهدت من الأنفال آخر آية

بتراثهم فأردتمو إبطالها

قال : فرأيت المهدي قد زحف من صدر مصلاه حتى صار على البساط إعجابا بما سمع، ثم قال: كم هي؟ قال: مائة بيت. فأمر له بمائة ألف درهم.

هذه القصة وأمثالها وقعت لكثير من الأمراء والوزراء الذين عرفوا للشعر منزلته، فاستعانوا به على أغراضهم السياسية، كما كان الأمويون يستعينون به فيها، وحسبك أن نقول لك: إنهم استعملوه في المفاخرة، وفي إثارة العصبية واستحقاق الخلافة، وفي الهجاء والتحريض، فقد دخل سديف على عبد الله بن علي العباسي وعنده جماعة من بني أمية فأنشده قوله:

لا يغرنك ما ترى من أناس

إن تحت الضلوع داء دويا

فضع السيف وارفع السوط حتى

لا ترى فوق ظهرها أمويا

فأمر عبد الله فذهبت أرواحهم هباء.

وكثيرا ما كانوا يستشفعون بالشعر والشعراء، ويحتالون به على قضاء حاجاتهم، ويقدمونه أمامهم لمخاطبة الملوك والأمراء عند الغضب، فقد رووا أن الرشيد عند رجوعه من حرب الروم أتاه كتاب، وهو في الطريق، من ملك الروم «نقفور» يفيد نقض الصلح الذي عقد معه، فهاب القوم إخبار الرشيد وامتنعوا عن مكاشفته، وقدموا لمكالمته من الشعراء الحجاج بن يوسف التميمي وإسماعيل بن القاسم أبا العتاهية وغيرهما، فأنشده الحجاج بن يوسف:

عصر المأمون · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٨١