تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجملة القول أن اللغة قد تجدد إهابها، وانفرجت شعابها، ونوعت أساليبها بما دخل عليها من نعيم الدولة وترف الحضارة، وما احتوته من العلوم والفنون، حتى كانت سيدة لغات العالم جميعا. (2) الخطابة والخطباء

كانت الداعية إلى الخطابة في العصر العباسي قوية متوافرة بليغة، كانت قوية لأن طبيعة الانقلابات السياسية الخطيرة، والدعوات المذهبية الحادة، والثورات الاجتماعية العنيفة من شأنها خلق مجالات التكلم، وتقوية الملكات الخطابية وتنميتها وزيادة ثروتها، والعمل على صقلها وبلاغتها، وكانت متوافرة لتعدد موضوعاتها وتشعب مناحيها، ولانكباب الدعاة والنفعيين عليها لانتهاز أمثال تلك المواقف، وكانت بليغة لقرب العصر العباسي من عصر البلاغة الإسلامية الأموية من ناحية الحرارة والتشيع إلى بني العباس، وقوة المحاجة في إنكار ما انتهكه الأمويون من حرمات الدين، ولتعدد أسباب التفاضل بين آل العباس والعلويين.

وإن نظرة تحليلية إلى خطبة المنصور التي خطبها حينما أخذ عبد الله بن الحسن وإخوته والنفر الذين كانوا معه من أهل بيته، تعزز قولنا وتؤيد حكمنا، قال: يا أهل خراسان، أنتم شيعتنا وأنصارنا وأهل دولتنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا من هو خير منا، وإن أهل بيتي هؤلاء من ولد علي بن أبي طالب تركناهم، والله الذي لا إله إلا هو، والخلافة فلم نعرض لهم فيما بقليل لا وبكثير، فقام فيها علي بن أبي طالب فتلطخ وحكم عليه الحكمان، فافترقت عنه الأمة، واختلفت عليه الكلمة، ثم وثبت عليه شيعته وأنصاره وأصحابه وبطانته وثقاته فقتلوه، ثم قام من بعده الحسن بن علي، فوالله ما كان فيها برجل! قد عرضت عليه الأموال فقبلها، فدس إليه معاوية : إني أجعلك ولي عهدي من بعدي، فخدعه فانسلخ له مما كان فيه وسلمه إليه، فأقبل على النساء يتزوج في كل يوم واحدة فيطلقها غدا، فلم يزل على ذلك حتى مات على فراشه، ثم قام من بعده الحسين بن علي فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة، أهل الشقاق والنفاق والإغراق في الفتن، أهل هذه المدرة السوداء - وأشار إلى الكوفة - فوالله ما هي بحرب فأحاربها، ولا سلم فأسالمها، فرق الله بيني وبينها، فخذلوه وأسلموه حتى قتل، ثم قام من بعده زيد بن علي فخدعه أهل الكوفة وغروه، فلما أخرجوه وأظهروه أسلموه، وكان قد أتى محمد بن علي فناشده في الخروج، وسأله ألا يقبل أقاويل أهل الكوفة وقال له: إنا نجد في بعض علمنا أن بعض أهل بيتنا يصلب بالكوفة، وأنا أخاف أن تكون ذلك المصلوب، وناشده عمي داود بن علي وحذره غدر أهل الكوفة، فلم يقبل وتم على خروجه؛ فقتل وصلب بالكناسة،

1

ثم وثب علينا بنو أمية فأماتوا شرفنا وأذلوا عزنا، والله ما كانت لهم عندنا ترة يطلبونها، وما كان ذلك كله إلا فيهم، وبسبب خروجهم عليهم، فنفونا من البلاد، فصرنا مرة بالطائف، ومرة بالشام، ومرة بالشراة حتى ابتعثكم الله لنا شيعة وأنصارا، فأحيا شرفنا وعزنا بكم أهل خراسان، ودمغ بحقكم أهل الباطل، وأظهر حقنا، وأصار إلينا ميراثنا عن نبينا

صلى الله عليه وسلم ، فقر الحق مقره، وأظهر مناره، وأعز أنصاره، وقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين، فلما استقرت الأمور فينا على قرارها من فضل الله فيها، وحكمه العادل لنا؛ وثبوا علينا ظلما وحسدا منهم لنا، وبغيا لما فضلنا الله به عليهم وأكرمنا به من خلافته وميراث نبيه

صلى الله عليه وسلم .

جهلا علي وجبنا عن عدوهم

لبئست الخلتان الجهل والجبن

فإني، والله يا أهل خراسان، ما أتيت من هذا الأمر ما أتيت بجهالة؛ بلغني عنهم بعض السقم والتعرم، وقد دسست لهم رجلا فقلت: قم يا فلان، قم يا فلان، فخذ معك من المال كذا، وحذوت لهم مثالا يعملون عليه ، فخرجوا حتى أتوهم بالمدينة فدسوا إليهم تلك الأموال، فوالله ما بقي منهم شيخ ولا شاب ولا صغير ولا كبير إلا بايعهم بيعة استحللت بها دماءهم وأموالهم، وحلت لي عند ذلك بنقضهم بيعتي، وطلبهم الفتنة، والتماسهم الخروج علي، فلا يرون أني أتيت ذلك على غير يقين. ثم نزل وهو يتلو على درج المنبر هذه الآية:

عصر المأمون · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٧٤