تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب .

ولقد يلاحظ على الخطابة العباسية اتسامها بطابع النعرة الدينية لمباهاتهم بصلتهم من النبي، كما يلاحظ عليها اللغة «الأتوقراطية» التي لا تختلف في شيء عن لغة باباوات رومة في العصور الوسطى، ولغة الملوك الذين يدينون بنظرية «حقوق الملك المقدسة»، وأنهم ورثة الله في أرضه وممثلوه بين خلقه.

خطبة للمنصور الخليفة العباسي

خطب في مكة فقال:

أيها الناس، إنما أنا سطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله أعمل فيه بمشيئته وإرادته، وأعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلا إن شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم، وإن شاء أن يقفلني عليها أقفلني، فارغبوا إلى الله وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم من فضله ما أعلمكم به في كتابه إذ يقول:

اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا

أن يوفقني للرشاد والصواب، وأن يلهمني الرأفة بكم، والإحسان إليكم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

خطبة للخليفة المهدي

الحمد لله الذي ارتضى الحمد لنفسه، ورضي به من خلقه، أحمده على آلائه، وأمجده لبلائه، وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه توكل راض بقضائه وصابر لبلائه. أوصيكم، عباد الله، بتقوى الله؛ فإن الاقتصار عليها سلامة، والترك لها ندامة، وأحثكم على إجلال عظمته، وتوقير كبريائه وقدرته، والانتهاء إلى ما يقرب من رحمته، وينجي من سخطه، وينال به ما لديه من كريم الثواب، وجزيل المآب. فاجتنبوا ما خوفكم الله من شديد العقاب، وأليم العذاب، ووعيد الحساب، يوم توقفون بين يدي الجبار، وتعرضون فيه على النار، يوم لا تكلم نفس إلا بإذنه، فمنهم شقي وسعيد، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وبنيه؛ لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه،

يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ،

يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ؛ فإن الدنيا دار غرور وبلاء وشرور واضمحلال، وزوال وتقلب وانتقال، قد أفنت من كان قبلكم، وهي عائدة عليكم وعلى من بعدكم، من ركن إليها صرعته، ومن وثق بها خانته، ومن أملها كذبته، ومن رجاها خذلته، عزها ذل، وغناها فقر، والسعيد من تركها، والشقي من آثرها، والمغبون فيها من باع حظه من دار آخرته بها. فالله الله عباد الله، والتوبة مقبولة، والرحمة مبسوطة، وبادروا بالأعمال الزكية في هذه الأيام الخالية قبل أن يؤخذ بالكظم، وتندموا فلا تنالون الندم يوم حسرة وتأسف وكآبة وتلهف. يوم ليس كالأيام، وموقف ضنك المقام.

خطبة لهارون الرشيد

الحمد لله الذي نحمده على نعمه، ونستعينه على طاعته، ونستنصره على أعدائه، ونؤمن به حقا، ونتوكل عليه مفوضين إليه. أوصيكم عباد الله بتقوى الله؛ فإن في التقوى تكفير السيئات، وتضعيف الحسنات، وفوزا بالجنة ونجاة من النار، وأحذركم يوما تشخص فيه الأبصار، وتبلى فيه الأسرار، يوم البعث ويوم التغابن ويوم التلاقي ويوم التنادي، يوم لا يستعتب من سيئة ولا يزداد في حسنة،

يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع * يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ،

واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت . حصنوا إيمانكم بالأمانة، ودينكم بالورع، وصلاتكم بالزكاة، وإياكم والأماني؛ فقد غرت وأردت وأوبقت كثيرا حتى أكذبتهم مناياهم، فتناوشوا التوبة من مكان بعيد، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فرغب ربكم عن الأمثال والوعد، وقدم إليكم الوعيد، وقد رأيتم وقائعه بالقرون الخوالي جيلا فجيلا، وعهدتم الآباء والأبناء والأحبة والعشائر باختطاف الموت إياهم من بيوتكم، ومن بين أظهركم، لا تدفعون عنهم ولا تحولون دونهم، فزالت عنهم الدنيا، وانقطعت بهم الأسباب، فأسلمتهم إلى أعمالهم عند الموقف والحساب:

عصر المأمون · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٧٥