تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن المطلع على ما جاء بالفهرست لابن النديم خاصا بتلك المنقولات يعلم، مع شديد الأسف، أن جلها قد ضاع، على أنه كان للقليل الباقي منها أثره الفعال في نهضة أوروبا، وأهم ما بقي من ذلك التراث القيم هو كتاب المجسطي لبطليموس، ترجمه الحجاج بن يوسف، وكتاب السياسة في تدبير الرياسة، ترجمه يوحنا بن البطريق، وبعض آثار لقسطا بن لوقا البعلبكي وغيرها. (3) العلوم القرآنية واللغوية والفقهية

كان المؤرخون القدماء يقولون في العلوم القرآنية: إنه قد تفرع عن القرآن نحو ثلاثمائة علم. ونحن نحيلك على أمثال «مفتاح السعادة» لأحمد بن مصطفى، المعروف بطاش كبرى زاده، المطبوع بمطبعة دائرة المعارف النظامية بحيدر آباد، ومقدمة ابن خلدون، و«مفاتيح العلوم» وغيرها. وأما النحاة وطبقاتهم واللغة وما دخلها من الألفاظ المستحدثة في العصر العباسي، فأمامك أمثال «شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل» لشهاب الدين الخفاجي، «ودرة الغواص» للحريري، وكتاب «المعرب من الكلام الأعجمي» لأبي منصور الجواليقي المتوفى في منتصف القرن السادس، وطبع في ليبسك سنة 1897م، وكتاب «طبقات النجاة» المعروف «بنزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري، وغيرها مما لا يقع تحت حصر.

وحسبنا أن نقول لك: إنه لم يكن في الجاهلية ولا في صدر الإسلام ذلك التراث العظيم من الألفاظ الطبية وأسماء الأدوية والجراحة وأسماء الأمراض والاصطلاحات الفلسفية وغير ذلك مما وضع في العصر العباسي خاصة، أمثال قولهم: صيدلية، وتشريح، ونبض، وهضم، ومبردات، وقابض، ومسهل، وتشنج، وذات الرئة، وبنج، والهيولى، والقاموس، والقانون، إلى مئات الألفاظ من أمثال ذلك النوع الذي تجده في مظانه ولا نرى حاجة بنا إلى الاستطراد فيه.

ويجدر بنا هنا أن نشير إلى أثر من أجل الآثار الاقتصادية للدولة الإسلامية في بداية العصر العباسي، ويمكن النظر إليه كما ينظر الإسكتلنديون إلى كتاب «جون سنكلر» عن تاريخهم الاقتصادي، وهذا الأثر القيم الخالد الذي نظم جباية الدولة أجمل تنظيم وأدقه هو كتاب «الخراج» للفقيه الأكبر أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، صاحب الإمام أبي حنيفة النعمان.

| هوامش

الفصل العاشر

| الحالة الأدبية في صدر عصر بني العباس

(1) توطئة

أسلفنا لك القول في الحالة الأدبية في عصر بني أمية التي كانت في الواقع، إلى جانب ما بيناه لك من اختلافها عن العصر الجاهلي، قريبة في جملتها من غضاضة البدو وخشونة المدر، فلم تتسع لها الأغراض ولم تنفرج لها الجوانب إلا بقدر ما تنطبق عليه جزيرة العرب وبادية الشام من الأفكار والأخيلة، وما توحي به غياض دمشق ونبرات معبد من صفاء الفكر ووضوحه، وجلاء المعنى واقترابه، لا يبالي القوم الإمعان في الآراء البعيدة والأفكار الدقيقة، وإنما كان همهم، كما يقول الرواة، أن تجود ألفاظهم، وتجل تراكيبهم.

وفي الحقيقة أنهم قد اقتعدوا في ذلك من البلاغة ذروتها، وبلغوا من الجزالة غايتها، فكان الرجل منهم يضع لسانه حيث أراد ومتى شاء، وحسبك أن تنظر إلى ما جاء به زياد وعبد الملك والحجاج، وما أرسله جرير والأخطل والفرزدق؛ لتعرف أين كان القوم من البلاغة، وكيف تملكوا أعنتها في أيديهم، فلما جاءت دولة العباسيين وقامت أركانها على سواعد العجم، ودلف إليها السريان واليهود والفرس، وضمتهم الدولة إلى أحضانها، وأفرجت لهم بين ذراعيها، وأنزلتهم في كثير من أمور الدولة وشئونها، وأجرت عليهم من الأرزاق والخيرات، وتقدموا لها بتراث آبائهم وعصارة قرائح علمائهم، وحولوا ميراثهم إلى ميراثها؛ أفادت لغة العرب، وامتزجت المدنية السامية بالآرية، واتسعت دائرة المعارف، وتشعبت أغراض اللغة، وشمر كل ذي فضل في تدوين العلوم واستنباط أحكامها، ووضع الفنون واصطلاحاتها، وترتيب الدواوين ومراسيمها، وترجموا كتب الحكمة والمنطق، وازدهرت الآداب ازدهار الفتاء والقوة، فانتظمت رخاء الدنيا وسعادة الإنسان، وازينت بالحجج الحكمية والبراهين العقلية، وتولى كبر ذلك بشار وابن المقفع وأبو نواس وأضرابهم، وأدخلوا إليها الجديد عن طريق المجاز والقياس والاشتقاق، ولم يتحرجوا من استعمال الألفاظ الأعجمية في أسماء الألوان والآنية والفرش، وتأنقوا في صوغ العبارات وإحكامها، حتى مال بعضهم إلى السجع والازدواج، ومن أمثلة ذلك ما كتبه أبو شراعة إلى سعيد بن مسلم إذ يقول: «أستنسئ الله أجلك، وأستعيذه من الآفات لك، وأستعينه على شكر ما وهب من النعمة فيك؛ إنه لذلك ولي، وبه ملي. أتاني غلامك المليح قده، السعيد بملكك جده، بكتاب قرأته، غير مستكره اللفظ ولا مزور عن القصد، ينطق بحكمتك، ويبين عن فضلك.»

عصر المأمون · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٧٣