1
والمتلصصة منهم، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة، وأطفأ تلك الثائرة. وقد مدحه منصور النمري بقصيدة مطلعها:
لقد أوقدت بالشام نيران فتنة
فهذا أوان الشام تخمد نارها
إذا جاش موج البحر من آل برمك
عليها خبت شهبانها وشرارها
ولما عاد جعفر موفقا من سفرته هذه وقد استخلف على الشام مكانه عيسى بن العكي، دخل على الرشيد فزاده إكراما وإجلالا.
وإنا لننقل لك هنا ما قاله جعفر للرشيد حين مثل بين يديه؛ لأنه يعتبر أثرا قيما من ناحية تحليل نفسية الطرفين، ولروعته وبلاغته في أدب العصر، ولأنه في الوقت نفسه بمثابة نص تاريخي للعصر الذي ندرسه؛ قال الطبري: لما دخل جعفر على الرشيد قبل يديه ورجليه، ثم مثل بين يديه فقال: الحمد لله، يا أمير المؤمنين، الذي آنس وحشتي، وأجاب دعوتي، ورحم تضرعي، وأنسأ في أجلي حتى أراني وجه سيدي، وأكرمني بقربه، وامتن علي بتقبيل يده، وردني إلى خدمته، فوالله إن كنت لأذكر غيبتي عنه ومخرجي، والمقادير التي أزعجتني، فأعلم أنها كانت بمعاص لحقتني، وخطايا أحاطت بي، ولو طال مقامي عنك يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداءك، لخفت أن يذهب عقلي؛ إشفاقا على قربك، وأسفا على فراقك، وأن يعجل بي عن إذنك الاشتياق إلى رؤيتك، والحمد لله الذي عصمني في حال الغيبة، وأمتعني بالعافية، وعرفني الإجابة، ومسكني بالطاعة، وحال بيني وبين استعمال المعصية، فلم أشخص إلا عن رأيك، ولم أقدم إلا عن إذنك وأمرك، ولم يخترمني أجل دونك، والله يا أمير المؤمنين، فلا أعظم من اليمين بالله، لقد عاينت، فلو تعرض لي الدنيا كلها، لاخترت عليها قربك، ولما رأيتها عوضا من المقام معك، ثم قال له بعقب هذا الكلام في هذا المقام: إن الله، يا أمير المؤمنين، لم يزل يبليك في خلافتك بقدر ما يعلم من نيتك، ويريك في رعيتك غاية أمنيتك، فيصلح لك جماعتهم، ويجمع ألفتهم، ويلم شعثهم، حفظا لك فيهم، ورحمة لهم، وإنما هذا للتمسك بطاعتك، والاعتصام بحبل مرضاتك. والله المحمود على ذلك، وهو مستحقه.
وفارقت، يا أمير المؤمنين، أهل كور الشام وهم منقادون لأمرك، نادمون على ما فرط من معصيتهم لك، متمسكون بحبلك، نازلون على حكمك، طالبون لعفوك، واثقون بحلمك، مؤملون فضلك، آمنون بادرتك، حالهم في ائتلافهم كحالهم كانت في اختلافهم، وحالهم في ألفتهم كحالهم كانت في امتناعهم. وعفو أمير المؤمنين عنهم، وتغمده لهم سابق لمعذرتهم، وصلة أمير المؤمنين لهم وعطفه عليهم متقدم عنده لمسألتهم، وايم الله، يا أمير المؤمنين، لئن كنت قد شخصت عنهم وقد أخمد الله شرارهم، وأطفأ نارهم، ونفى مراقهم، وأصلح دهماءهم، وأولاني الجميل فيهم، ورزقني الانتصار منهم، فما ذلك كله إلا ببركتك ويمنك وريحك، ودوام دولتك السعيدة الميمونة الدائمة، وتخوفهم منك، ورجائهم لك. والله، يا أمير المؤمنين، ما تقدمت إليهم إلا بوصيتك، وما عاملتهم إلا بأمرك، ولا سرت فيهم إلا على حد ما مثلته لي ورسمته، ووقفتني عليه، والله ما انقادوا إلا لدعوتك وتوحد الله بالصنع لك، وتخوفهم من سطوتك، وما كان الذي كان مني، وإن كنت بذلت جهدي وبلغت مجهودي، قاضيا ببعض حقك علي، بل ما ازدادت نعمتك علي عظما إلا ازددت عن شكرك عجزا وضعفا، وما خلق الله أحدا من رعيتك أبعد من أن يطمع نفسه في قضاء حقك مني، وما ذلك إلا أن أكون باذلا مهجتي في طاعتك وكل ما يقرب إلى موافقتك، ولكني أعرف من أياديك عندي ما لا أعرف مثلها عند غيري، فكيف بشكري وقد أصبحت واحد أهل دهري فيما صنعته في وبي؟! أم كيف بشكري وإنما أقوى على شكرك بإكرامك إياي؟! وكيف بشكري ولو جعل الله شكري في إحصاء ما أوليتني لم يأت على ذلك عدي؟! وكيف بشكري وأنت كهفي دون كل كهف لي؟! أو كيف بشكري وأنت لا ترضى لي ما أرضاه لي؟! وكيف بشكري وأنت تجدد من نعمتك عندي ما يستغرق كل ما سلف عندك لي؟! أم كيف بشكري وأنت تنسيني ما تقدم من إحسانك بما تجدده لي؟! أم كيف بشكري وأنت تقدمني بطولك على جميع أكفائي؟! أم كيف بشكري وأنت وليي؟! أم كيف بشكري وأنت المكرم لي؟! وأنا أسأل الله - الذي رزقني ذلك منك من غير استحقاق له؛ إذ كان الشكر مقصورا عن تأدية بعضه، بل دون شقص من عشر عشيره - أن يتولى مكافأتك عني بما هو أوسع له، وأقدر عليه، وأن يقضي عني حقك وجليل منتك، فإن ذلك بيده وهو القادر عليه.