ونجد في أخبار سنة ست وسبعين ومائة، أن الرشيد ولى الفضل بن يحيى كور الجبال وطبرستان ودنباوند وقومس وأرمينية وأذربيجان، وندبه لحرب يحيى بن عبد الله الطالبي حين خروجه بالديلم، فوفق الفضل لأخذ أمان له من الرشيد، وأصلح أيما إصلاح، ونجح النجاح كله في غزواته وحروبه، حتى قال فيه أبو ثمامة الخطيب:
للفضل يوم الطالقان وقبله
يوم أناخ به على خاقان
ما مثل يوميه اللذين تواليا
في غزوتين توالتا يومان
سد الثغور ورد ألفة هاشم
بعد الشتات فشعبها متدان
عصمت حكومته جماعة هاشم
من أن يجرد بينها سيفان
تلك الحكومة لا التي عن لبسها
عظم النبا وتفرق الحكمان
فأعطاه الفضل مائة ألف درهم وخلع عليه.
ونجد في أخبار السنة نفسها، أن الفتنة هاجت بالشام بسبب العصبية التي بين النزارية واليمانية، فولى الرشيد موسى بن يحيى بن خالد الشام، فهرع إليها موسى وأقام بها حتى أصلح بين أهلها، وسكنت الفتنة، واستقام أمرها، فمدحه الشعراء، ومن قول بعضهم فيه:
قد هاجت الشام هيجا
يشيب رأس وليده
فصب موسى عليها
بخيله وجنوده
فدانت الشام لما
أتى نسيج وحيده
هو الجواد الذي بذ
ذ كل جود بجوده
أعداه جود أبيه
يحيى وجود جدوده
فجاد موسى بن يحيى
بطارف وتليده
ونال موسى ذرى المج
د وهو حشو مهوده
خصصته بمديحي
منثوره وقصيده
من البرامك عود
له فأكرم بعوده
حووا على الشعر طرا
خفيفه ومديده
وقد مدحه بمثل ذلك إسحاق بن حسان الخريمي.
ويقول الطبري في أخبار سنة ثمان وسبعين ومائة: إن الرشيد فوض أموره كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك. وقد ذكر فيها شخوص الفضل بن يحيى إلى خراسان واليا عليها، فأحسن السيرة بها، وبنى بها المساجد والرباطات، وغزا ما وراء النهر، فخرج إليه خاراخره ملك أشروسنة، وكان ممتنعا.
وقد مدحه مروان بن أبي حفصة وغيره بقصائد عدة، وقد ذكر محمد بن العباس أنه سمع مروان يقول: إنه أصاب في قدمته تلك على الفضل سبعمائة ألف درهم.
وقد مدحه سلم الخاسر فقال:
وكيف نخاف من بؤس بدار
تكنفها البرامكة البحور
وقوم منهم الفضل بن يحيى
نفير ما يوازنه نفير
له يومان؛ يوم ندى وبأس
كأن الدهر بينهما أسير
إذا ما البرمكي غدا ابن عشر
فهمته وزير أو أمير
ولننظر إلى مكانة الفضل وآل برمك من الرشيد، فإن أبا جعفر محمد بن جرير الطبري يحدثنا أنه لما قدم الفضل بن يحيى من خراسان؛ خرج الرشيد إلى بستان أبي جعفر يستقبله، وتلقاه بنو هاشم والناس من القواد والكتاب والأشراف، فجعل يصل الرجل بألف الألف وخمسمائة الألف. ومدحه مروان بن أبي حفصة فقال:
حمدنا الذي أدى ابن يحيى فأصبحت
بمقدمه تجري لنا الطير أسعدا
وما هجعت حتى رأته عيوننا
وما زلن، حتى آب، بالدمع حشدا
نفى عن خراسان العدو كما نفى
ضحى الصبح جلباب الدجى فتعردا
لقد راع من أمسى بمرو مسيره
إلينا وقالوا شعبنا قد تبددا
على حين ألقى قفل كل ظلامة
وأطلق بالعفو الأسير المقيدا
وأفشى بلا من مع العدل فيهم
أيادي عرف باقيات وعودا
فأذهب روعات المخاوف عنهم
وأصدر باغي الأمن فيهم وأوردا
وأجدى على الأيتام فيهم بعرفه
فكان من الآباء أحنى وأعودا
إذا الناس راموا غاية الفضل في الندى
وفي البأس ألفوها من النجم أبعدا
سما صاعدا بالفضل يحيى وخالد
إلى كل أمر كان أسنى وأمجدا
يلين لمن أعطى الخليفة طاعة
ويسقى دم العاصي الحسام المهندا
وشد القوى من بيعة المصطفى الذي
على فضله عهد الخليفة قلدا
سمي النبي الفاتح الحاتم الذي
به الله أعطى كل خير وسددا
أبحت جبال الكابلي ولم تدع
بهن لنيران الضلالة موقدا
فأطلعتها خيلا وطئن جموعه
قتيلا ومأسورا وفلا مشردا
وعادت على ابن البرم نعماك بعدما
تحوب مخذولا يرى الموت مفردا
وفي أخبار سنة ثمانين ومائة هاجت العصبية بالشام، وتفاقم أمرها، واغتم الرشيد بذلك، فعقد لجعفر بن يحيى على الشام وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر: بل أقيك بنفسي. وشخص إليهم جعفر في جلة القواد والكراع والسلاح، فأصلح بينهم، وقتل زواقيلهم