وفي أخبار سنة ثمانين ومائة نفسها ولى الرشيد جعفر بن يحيى الحرس، وهكذا تجد في أخبار كل سنة نبأ عن آل برمك، وتمداحا لآل برمك، وأثرا جليلا في خدمة الدولة من آل برمك، ومكانة سامية تبوأها آل برمك من الرشيد.
وإنا لا نرى ندحة من إيراد واقعة حال رواها الفخري بين جعفر بن يحيى البرمكي وعبد الملك بن صالح الذي سعى به كاتبه قمامة وابنه عبد الرحمن عند الرشيد بتهمة طلبه الخلافة لنفسه، حتى حبسه الرشيد عند الفضل بن الربيع - وهو منافس لآل برمك - وكثيرا ما سعى الساعون بين صالح والرشيد. فإذا ما تعرض البرمكيون بالخير لرجل من كبار رجالات الدولة المتهمين بالتطلع إلى الخلافة، وإذا ما نجح البرمكيون في إيصال الخير لهم ، وفي إرضاء قلب الرشيد عليهم، كان في ذلك أصدق دليل على مكانتهم الرفيعة من الرشيد، فما بالك إذا ما وصلوا إلى أن يبني أحد أولاد صالح على إحدى بنات الرشيد، وإذا ما اقتطعوا له الولايات ورفدوه بأجزل الأموال؟!
على أنا نترك الكلمة لابن طباطبا ليقص عليك ما يرويه فيما نحن في صدده، قيل: إن جعفر بن يحيى البرمكي جلس يوما للشرب وأحب الخلوة، فأحضر ندماءه الذين يأنس بهم، وجلس معهم وقد هيئ المجلس ولبسوا الثياب المصبغة، وكانوا إذا جلسوا في مجلس الشراب واللهو لبسوا الثياب الحمر والصفر والخضر، ثم إن جعفر بن يحيى تقدم إلى الحاجب ألا يأذن لأحد من خلق الله تعالى سوى رجل من الندماء كان قد تأخر عنهم، اسمه عبد الملك بن صالح، ثم جلسوا يشربون ودارت الكاسات وخفقت العيدان - وكان رجل من أقارب الخليفة يقال له: عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان شديد الوقار والدين والحشمة، وكان الرشيد قد التمس منه أن ينادمه ويشرب معه، وبذل له على ذلك أموالا جليلة فلم يفعل - فاتفق أن عبد الملك بن صالح حضر إلى باب جعفر بن يحيى ليخاطبه في حوائج له، فظن الحاجب أنه هو عبد الملك بن صالح الذي تقدم جعفر بن يحيى بالإذن له وألا يدخل غيره، فأذن الحاجب له، فدخل عبد الملك بن صالح العباسي على جعفر بن يحيى، فلما رآه جعفر كاد عقله يذهب من الحياء، وفطن أن القضية قد اشتبهت على الحاجب بطريق اشتباه الاسم، وفطن عبد الملك بن صالح أيضا للقصة، وظهر له الخجل في وجه جعفر بن يحيى، فانبسط عبد الملك وقال: لا بأس عليكم، أحضروا لنا من هذه الثياب المصبغة شيئا، فأحضر له قميص مصبوغ، فلبسه وجلس يباسط جعفر بن يحيى ويمازحه، وقال: اسقونا من شرابكم. فسقوه رطلا، وقال: ارفقوا بنا؛ فليس لنا عادة بهذا. ثم باسطهم ومازحهم، وما زال حتى انبسط جعفر بن يحيى وزال انقباضه وحياؤه، ففرح جعفر بذلك فرحا شديدا وقال له: ما حاجتك؟ قال: جئت، أصلحك الله، في ثلاث حوائج أريد أن تخاطب الخليفة فيها: أولاها: أن علي دينا مبلغه ألف ألف درهم أريد قضاءه. وثانيتها: أريد ولاية لابني يشرف بها قدره. وثالثتها: أريد أن تزوج ولدي بابنة الخليفة؛ فإنها بنت عمه وهو كفء لها.
فقال له جعفر بن يحيى: قد قضى الله هذه الحوائج الثلاث؛ أما المال ففي هذه الساعة يحمل إلى منزلك، وأما الولاية فقد وليت ابنك مصر، وأما الزواج فقد زوجته فلانة ابنة مولانا أمير المؤمنين على صداق مبلغه كذا وكذا، فانصرف في أمان الله. فراح عبد الملك إلى منزله فرأى المال قد سبقه، ولما كان من الغد، حضر جعفر عند الرشيد وعرفه ما جرى، وأنه قد ولاه مصر، وزوجه ابنته، فعجب الرشيد من ذلك وأمضى العقد والولاية، فما خرج جعفر من دار الرشيد حتى كتب له التقليد بمصر، وأحضر القضاة والشهود وعقد العقد.
أرأيت كيف لم ينقض الرشيد ما أبرمه جعفر في مسألة خطيرة الخطر كله، لأنها تتعلق بكرامة الرشيد وأسرة الرشيد وشئون الرشيد الخاصة؟
أليس في ذلك ما يقطع برفيع مكانة القوم، وكبير قدرهم، وسامي منزلتهم عند الرشيد وفي الدولة التي هم مفزع رجالاتها، وموئل زعمائها؟