تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن غريب الأمر أن كل هذه الصور المتناقضة التي تتباين أشد التباين قد اجتمعت حقا في شخص هذا الخليفة، لا كما يصورها المؤرخون والرواة والقصاص وأصحاب الأساطير، بل اجتمعت اجتماعا يختلف قوة وضعفا باختلاف الظروف والمؤثرات الكثيرة التي كونت مزاجه وشخصيته، وقصره، وبيئته السياسية العامة، فليس الرشيد في حقيقة الأمر شخصا كغيره من الأشخاص يمثل نفسه وما ورث عن أسرته، ولكنه مرآة اجتمعت أمامها صور مختلفة من الناس والكفايات والظروف، فانعكست فيها هذه الصور.

فالرشيد يمثل كل هؤلاء الناس، وكل هذه الأشياء، وكل هذه الظروف التي شهدتها بغداد قرب آخر القرن الثاني للهجرة، ومن هنا كان من العسير جدا أن نستخلص منه صورة تاريخية صادقة بريئة من الغلو والإسراف.

فأما المؤرخون من العرب فقد تأثروا حين كتبوا عن الخلفاء، وخاصة أصحاب الشخصيات البارزة منهم، بكل ما عرفت أنهم تأثروا به من الإغراق والمبالغة والغلو في المدح مخلصين في أكثر الأحيان.

وأما المؤرخون من الفرنج فلم يسلم أشدهم احتياطا من التأثر بهذه الطائفة الضخمة من الأساطير التي بثها في نفوس الجماعات كتاب «ألف ليلة وليلة» منذ زمن طويل.

وقد ظهر هذا التأثر مظهرين مختلفين؛ مظهر المدح والإسراف فيه عند قوم، ومظهر الذم والإغراق فيه عند قوم آخرين، وأولئك وهؤلاء مخدوعون عن أنفسهم واحتياطهم بكل هذه المبالغات التي أحاطت بإحسان الرشيد وإساءته.

ونحن مجتهدون لا في أن نعطيك هذه الصورة الصادقة من الرشيد التي لا يزال التاريخ محتاجا إليها - فليس ذلك غرضنا في هذا البحث، وليس في هذا الكتاب متسع له - بل في أن نعطيك صورة صادقة من فهم المؤرخين من العرب والفرنجة لعصر الرشيد، غير مهملين مع ذلك أن نسجل آراء لنا هنا وهناك حين نشعر بالحاجة إلى ذلك؛ لتوضيح مذهبنا في فهم عصر المأمون الذي نضع فيه هذا الكتاب. •••

يجمع المؤرخون العرب على ورع الرشيد وفضله وأدبه، وبسطة يده بالخير والعطاء، وانطوائه على الجود والسخاء؛ فقد ذكروا أنه كان يصلي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا إلا أن تعرض له علة، وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم بعد زكاته.

وكان إذا حج حج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة بالنفقة السابغة والكسوة الباهرة، وكان يقتفي آثار المنصور ويطلب العمل بها إلا في بذل المال، فإنه لم ير خليفة قبله كان أعطى منه للمال، ثم المأمون من بعده، وكان لا يضيع عنده إحسان محسن، ولا يؤخر ذلك في أول ما يجب ثوابه، وكان يحب الشعراء والشعر، ويميل إلى أهل الأدب والفقه، وبكره المراء في الدين ويقول: هو شيء لا نتيجة له، وبالحري ألا يكون فيه ثواب، وكان يحب المديح ولا سيما من شاعر فصيح، ويشتريه بالثمن الغالي.

ولقد كانت دولة الرشيد - كما يقول الفخري - دولة من أحسن الدول، وأكثرها وقارا ورونقا وخيرا، وأوسعها رقعة مملكة، جبا الرشيد معظم الدنيا، ولم يجتمع على باب خليفة من العلماء والشعراء والفقهاء والقراء والقضاة والكتاب والندماء والمغنين من اجتمعوا على باب الرشيد، وكان يصل كل واحد منهم أجزل صلة، ويرفعه أعلى درجة، وكان فاضلا شاعرا راوية للأخبار والآثار والأشعار، صحيح الذوق والتمييز، مهيبا عند الخاصة والعامة. •••

ولقد حاول الهادي أن يرغم الرشيد على خلع نفسه من الخلافة بعده، وأن يكتب بولاية العهد لابنه جعفر، وقد تم له شيء من ذلك. وإنا لنجد في حوادث سنة سبعين ومائة هجرية الشيء الكثير من إخلاص آل برمك للرشيد، لا سيما شدة محافظة يحيى البرمكي على حقوق الرشيد في ولاية العهد، فعذب وحبس وأوذي في هذا السبيل إيذاء شديدا.

ولقد أظهر الرشيد - وهو ولي عهد - من الجرأة ومتانة الأخلاق والصراحة ما هو حقيق بالإعجاب، ولسنا نرى مندوحة من ذكر الرواية التي ذكرها محمد بن عمر الرومي، فهي تعطينا صورة دقيقة لما نحن بسبيله، فقد حدث عن أبيه قال: جلس موسى الهادي بعدما ملك في أول خلافته جلوسا خاصا، ودعا إبراهيم بن جعفر بن أبي جعفر وإبراهيم بن سلم بن قتيبة والحراني، فجلسوا عن يساره ومعهم خادم له أسود يقال له: أسلم ويكنى أبا سليمان - وكان يثق به ويقدمه - فبينا هو كذلك إذ دخل صالح صاحب المصلى فقال: هارون بن المهدي، فقال: ائذن له. فدخل فسلم عليه وقبل يديه وجلس عن يمينه بعيدا من ناحية، فأطرق موسى ينظر إليه، وأدمن ذلك ثم التفت إليه فقال: يا هارون، كأني بك تحدث نفسك بتمام الرؤيا، وتؤمل ما أنت منه بعيد، ودون ذلك خرط القتاد؛ تؤمل الخلافة! قال: فبرك هارون على ركبتيه وقال: يا موسى، إنك إن تجبرت وضعت، وإن تواضعت رفعت، وإن ظلمت ختلت، وإني لأرجو أن يفضي الأمر إلي فأنصف من ظلمت، وأصل من قطعت، وأصير أولادك أعلى من أولادي، وأزوجهم بناتي، وأبلغ ما يجب من حق الإمام المهدي، قال: فقال له موسى: ذلك الظن بك يا أبا جعفر، ادن مني. فدنا منه فقبل يديه ثم ذهب يعود إلى مجلسه، فقال له: لا والشيخ الجليل، والملك النبيل؛ أعني أباك المنصور، لا جلست إلى معي. وأجلسه في صدر المجلس معه، ثم قال: يا حراني، احمل إلى أخي ألف ألف دينار، وإذا افتتح الخراج فاحمل إليه النصف منه، واعرض عليه ما في الخزائن من مالنا، وما أخذ من أهل بيت اللعنة، فيأخذ جميع ما أراد، قال: ففعل ذلك. ولما قام قال لصالح: ادن دابته إلى البساط.

عصر المأمون · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٥٢