قال عمرو الرومي: وكان هارون يأنس بي، فقمت إليه فقلت: يا سيدي، ما الرؤيا التي قال لك أمير المؤمنين؟ قال: قال المهدي: أريت في منامي كأني دفعت إلى موسى قضيبا وإلى هارون قضيبا، فأورق من قضيب موسى أعلاه قليلا، فأما هارون فأورق قضيبه من أوله إلى آخره، فدعا المهدي الحكم بن موسى الضمري، وكان يكنى أبا سفيان، فقال له: عبر هذه الرؤيا، فقال: يملكان جميعا، فأما موسى فتقل أيامه، وأما هارون فيبلغ مدى ما عاش خليفة، وتكون أيامه أحسن أيام، ودهره أحسن دهر، قال : ولم يلبث إلا أياما يسيرة ثم اعتل موسى ومات، وكانت علته ثلاثة أيام.
قال عمرو الرومي: أفضت الخلافة إلى هارون فزوج حمدونة من جعفر بن موسى، وفاطمة من إسماعيل بن موسى، ووفى بكل ما قال، وكان دهره أحسن الدهور. •••
ولقد كان الرشيد مشغوفا بالفنون والعلوم، وكان قصره الزاهي الزاهر مركزا لمختلف الثقافات، وأما ولعه بالشعر وضروب الآداب وإجازته الشعراء بسخاء، فالحديث في ذلك طويل المناحي.
وكان الرشيد مع استمتاعه بمرافه الحياة ومناعمها تزوج ست زوجات، وتسرى عشرين أمة ذكر أسماءهن الطبري، وأسماء أولاده منهن، وكان - مع تبرج المدنية في أيامه، ومع إحيائه أندية اللغة والآداب والمنادمة - ورعا متأثرا بالمواعظ والزهديات. وسنذكر لك طرفا من مواقفه الدالة على خشيته لله وأدبه وورعه وتواضعه.
أما خشيته لله وأدبه؛ فقد ذكر بعضهم أنه كان من صحابة الرشيد بالرقة بعد أن شخص من بغداد، فخرج معه يوما إلى الصيد، فعرض له رجل من النساك فقال: يا هارون، اتق الله، فقال لإبراهيم بن عثمان بن بهيك: خذ هذا الرجل إليك حتى أنصرف. فلما رجع دعا بغدائه، ثم أمر أن يطعم الرجل من خاص طعامه، فلما أكل وشرب دعا به فقال: يا هذا، أنصفني في المخاطبة والمساءلة! قال: ذاك أقل مما يجب لك، قال: فأخبرني أنا شر وأخبث أم فرعون؟ قال: بل فرعون؛ قال:
أنا ربكم الأعلى
وقال:
ما علمت لكم من إله غيري ، قال: صدقت، فأخبرني فمن خير: أنت أم موسى بن عمران؟ قال: موسى كليم الله وصفيه اصطفاه لنفسه، وائتمنه على وحيه، وكلمه من بين خلقه، قال: صدقت، أفما تعلم أنه لما بعثه وأخاه إلى فرعون قال لهما:
فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى - ذكر المفسرون أنه أمرهما أن يكنياه - هذا وهو في عتوه وجبروته، على ما قد علمت، وأنت جئتني وأنا بهذه الحالة التي تعلم؛ أؤدي أكثر فرائض الله علي، ولا أعبد أحدا سواه، أقف عند أكبر حدوده وأمره ونهيه، فوعظتني بأغلظ الألفاظ وأشنعها، وأخشن الكلام وأفظعه، فلا بأدب الله تأدبت ، ولا بأخلاق الصالحين أخذت، فما كان يؤمنك أن أسطو بك، فإذا أنت قد عرضت نفسك لما كنت عنه غنيا؟ قال الزاهد: أخطأت يا أمير المؤمنين، وأنا أستغفرك، قال: قد غفر لك الله. وأمر له بعشرين ألف درهم، فأبى أن يأخذها وقال: لا حاجة لي في المال؛ أنا رجل سائح، فقال هرثمة وخزره: ترد على أمير المؤمنين، يا جاهل، صلته؟! فقال الرشيد: أمسك عنه، ثم قال له: لم نعطك هذا المال لحاجتك إليه، ولكن من عادتنا أنه لا يخاطب الخليفة أحد ليس من أوليائه ولا أعدائه إلا وصله ومنحه؛ فاقبل من صلتنا ما شئت، وضعها حيث أحبب. فأخذ من المال ألفي درهم وفرقها على الحجاب ومن حضر الباب.
وأما ورعه فقد ذكر أن أبا مريم المدني كان مع الرشيد، وكان مضحاكا له محداثا فكها، فكان الرشيد لا يصبر عنه ولا يمل محادثته، وكان ممن قد جمع إلى ذلك المعرفة بأخبار أهل الحجاز وألقاب الأشراف ومكايد المجان، فبلغ من خاصته بالرشيد أن بوأه منزلا في قصره، وخلطه بحرمه وبطانته ومواليه وغلمانه، فجاء ذات ليلة وهو نائم وقد طلع الفجر، وقام الرشيد إلى الصلاة فألفاه نائما، فكشف اللحاف عن ظهره ثم قال له: كيف أصبحت؟ قال: يا هذا، ما أصبحت بعد، اذهب إلى عملك، قال: ويلك، قم إلى الصلاة، قال: هذا وقت صلاة أبي الجارود، وأنا من أصحاب أبي يوسف القاضي. فمضى وتركه نائما، وتأهب الرشيد للصلاة فجاء غلامه فقال: أمير المؤمنين قد قام إلى الصلاة. فقام فألقى عليه ثيابه ومضى نحوه، فإذا الرشيد يقرأ في صلاة الصبح، فانتهى إليه وهو يقرأ: