تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تركبوا البغي إن البغى مصرعة

وإن شارب كأس البغي يتخم

قد جرب الحرب من قد كان قبلكم

من القرون وقد بادت بها الأمم

فأنصفوا قومكم لا تهلكوا بذخا

فرب ذي بذخ زلت به القدم

قال: فسري عن موسى بن عيسى بعض ما كان فيه.

وإذا لم يكن بد من اختصار حياة الهادي في كلمة جامعة فلنقل: إنه ورث عن أبيه المهدي كرمه وغيرته وحبه للأدب، وورث عن جده المنصور حزمه وشيئا من ميله إلى الغدر.

| هوامش

الفصل الثامن

| هارون الرشيد

يا خيزران هناك ثم هناك

أمسى يسوس العالمين ابناك

بهذا يعلن مروان بن أبي حفصة الشاعر النابه تبوء الرشيد عرش الخلافة بعد أخيه الهادي، بعهد من أبيه سنة سبعين ومائة هجرية، وبهذا يهنئ الشاعر الخيزران بتوقل الرشيد لعرش كانت الخيزران معذبة معناة بمن كان يعتليه قبل الرشيد.

وقد يكون من المستصوب أن نترك ليوسف بن القاسم بن صبيح، كاتب الرشيد، يعلن إلينا ما أعلنه بنفسه إلى العالم العربي من خبر اعتلاء الرشيد للخلافة، فإنه بأسلوبه الرشيق وبلاغته السهلة ومكانته من الرشيد أحق بذلك وأجدر، ولا سيما وقد طيرت قطعته للخافقين منبئة بموت خليفة وتتويج خليفة.

قال يوسف بن القاسم - بعد حمد الله عز وجل والصلاة على النبي

صلى الله عليه وسلم : «إن الله بمنه ولطفه من عليكم معاشر أهل بيت نبيه، بيت الخلافة ومعدن الرسالة، وآتاكم أهل الطاعة، من أنصار الدولة وأعوان الدعوة، من نعمه التي لا تحصى بالعدد، ولا تنقضى مدى الأبد، وأياديه التامة؛ إذ جمع ألفتكم، وأعلى أمركم، وشد عضدكم، وأوهن عدوكم، وأظهر كلمة الحق، وكنتم أولى بها وأهلها، فأعزكم الله وكان الله قويا عزيزا، فكنتم أنصار دين الله المرتضى، والذابين بسيفه المنتضى، عن أهل بيت نبيه

صلى الله عليه وسلم ، وبكم استنقذهم من أيدي الظلمة أئمة الجور، والناقضين عهد الله، والسافكين الدم الحرام، والآكلين الفيء، والمستأثرين به، فاذكروا ما أعطاكم الله من هذه النعمة، واحذروا أن تغيروا فيغير بكم.

وإن الله جل وعز استأثر بخليفته موسى الهادي الإمام فقبضه إليه، وولى بعده رشيدا مرضيا أمير المؤمنين بكم رءوفا رحيما، من محسنكم قبولا، وعلى مسيئكم بالعفو عطوفا، وهو - أمتعه الله بالنعمة، وحفظ به ما استرعاه إياه من أمر الأمة، وتولاه بما تولى به أولياءه وأهل طاعته - يعدكم من نفسه الرأفة بكم، والرحمة لكم، وقسم أعطياتكم فيكم عند استحقاقكم، ويبذل لكم من الجائزة مما أفاء الله على الخلفاء، مما في بيوت الأموال، ما ينوب عن رزق كذا وكذا شهرا غير مقاص لكم بذلك فيما تستقبلون من أعطياتكم، وحاملا باقي ذلك للدفع عن حريمكم، وما لعله أن يحدث في النواحي والأقطار من العصاة المارقين إلى بيوت الأموال، حتى تعود الأموال إلى جمامها وكثرتها والحال التي كانت عليها؛ فاحمدوا الله، وجددوا شكرا يوجب لكم المزيد من إحسانه إليكم بما جدد لكم من رأي أمير المؤمنين، وتفضل به عليكم، أيده الله بطاعته، وارغبوا إلى الله له في البقاء، ولكم به في إدامة النعماء لعلكم ترحمون، وأعطوا صفقة أيمانكم، وقوموا إلى بيعتكم. حاطكم الله وحاط عليكم، وأصلح بكم وعلى أيديكم، وتولاكم ولاية عباده الصالحين.» •••

بهذا الكتاب القيم البليغ أشعر العالم العربي بابتداء خلافة هارون الذي نستطيع بحق أن نقول: إنه أضخم الخلفاء المسلمين اسما، وأبعدهم صوتا، وأشدهم في الخيال تأثيرا، فأنت لا تستطيع أن تسمع اسم هارون الرشيد حتى يحدث في نفسك صورا خيالية مختلفة النوع، ولكنها متفقة في القوة، فهو ينشئ في نفسك حينا صورة الخليفة المترف، المسرف في الترف الذي بلغ منه ما لم يبلغه أحد قبله ولا بعده، وينشئ في نفسك حينا آخر صورة الخليفة القوي الذي أذل أعداء الإسلام، وبسط سلطان الخلافة على أطراف الأرض، وأخذ ملوك الروم بدفع الجزية، وينشئ فيها مرة أخرى صورة الخليفة الحذر الذي بث الجواسيس ليعرف من أمر الناس ما ظهر وما خفي، ثم لم يكتف بذلك، بل استحال هو جاسوسا يطوف في الأسواق، ويوغل في البيوت، ويغشى المجالس والأندية حتى ألم بكل شيء، وأحاط بكل خفية، ثم بطش بأعدائه والمؤتمرين به بطشا لم يستطع التاريخ أن ينساه، ثم ينشئ في نفسك صورة الخليفة العالم الأديب، الفقيه بألوان العلم والدين والأدب، المشجع للفقهاء والعلماء والشعراء والكتاب تشجيعا أصبح فيه مثلا لمن جاء بعده من الخلفاء والملوك في الشرق والغرب، وينشئ في نفسك أيضا صورة الخليفة الورع الزاهد المتهالك نسكا وطاعة وتبتلا لله، كما ينشيء فيها صورة الخليفة الذي لا يكاد يخلو إلى نفسه ويسدل الستار بينه وبين رعيته حتى يأخذ مع المجان في مجونهم، فيخيل إليك أنه لا يدع من سبل اللذة سبيلا إلا سلكها وجنى ثمارها، فمن غناء إلى شراب إلى عبث، إلى استمتاع بالنساء، من حرائر وإماء، وهو بعد هذا كله سياسي ماهر بعيد النظر في تصريفه الأمور ، فيه حزم المنصور وعنفه، وميله إلى الغدر والأثرة، وكل ما يشخص سياسة «مكياڤلي»، وفيه حلم معاوية ودهاؤه اللين المرن، وسخاؤه بالمال، واصطناعه الناس.

عصر المأمون · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٥١