تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان الهادي شديد الغيرة، ظاهر الشهامة. وهاك حديثا لا يخلو من الأدب والفكاهة حدث به السندي بن شاهك قال: كنت مع موسى بجرجان فأتاه نعي المهدي والخلافة، فركب البريد إلى بغداد ومعه سعيد بن سلم، ووجهني إلى خراسان، فحدثني سعيد بن سلم قال: سرنا بين أبيات جرجان وبساتينها، قال: فسمع صوتا من بعض تلك البساتين من رجل يتغنى، فقال لصاحب شرطته: علي بالرجل الساعة، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أشبه قصة هذا الخائن بقصة سليمان بن عبد الملك! قال: وكيف؟ قال: قلت له: كان سليمان بن عبد الملك في متنزه له ومعه حرمه، فسمع من بستان آخر صوت رجل يتغنى، فدعا صاحب شرطته فقال: علي بصاحب الصوت، فأتى به، فلما مثل بين يديه قال له: ما حملك على الغناء وأنت إلى جنبي ومعي حرمي، أما علمت أن الرماك

1

إذا سمعت صوت الفحل حنت إليه؟ يا غلام، جبه، فجب الرجل، فلما كان في العام المقبل رجع سليمان إلى ذلك المتنزه فجلس مجلسه الذي جلس فيه، فذكر الرجل وما صنع به، فقال لصاحب شرطته: علي بالرجل الذي كنا جببناه فأحضره، فلما مثل بين يديه قال له: إما بعت فوفيناك، وإما وهبت فكافأناك، قال: فوالله ما دعاه بالخلافة ولكنه قال له: يا سليمان، الله الله، إنك قطعت نسلي فذهبت بماء وجهي، وحرمتني لذتي، ثم تقول: إما وهبت فكافأناك، وإما بعت فوفيناك! لا والله حتى أقف بين يدي الله! قال: فقال موسى: يا غلام، رد صاحب الشرطة، فرده، فقال: لا تعرض للرجل. •••

وأما حبه للنجدة فيحدثنا به عمر بن شبة؛ إذ ذكر أن علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان يلقب بالجزري، تزوج رقية بنت عمرو العثمانية، وكانت تحت المهدي، فبلغ ذلك موسى الهادي في أول خلافته، فأرسل إليه فجهله وقال: أعياك النساء إلا امرأة أمير المؤمنين! فقال: ما حرم الله على خلقه إلا نساء جدي

صلى الله عليه وسلم ، فأما غيرهن فلا ولا كرامة. فشجه بمخصرة كانت في يده، وأمر بضربه خمسمائة سوط فضرب، وأراده أن يطلقها فلم يفعل، فحمل من بين يديه في نطع فألقي ناحية، وكان في يده خاتم سري، فرآه بعض الخدم وقد غشي عليه من الضرب فأهوى إلى الخاتم، فقبض على يد الخادم فدقها، فصاح وأتى موسى فأراه يده، فاستشاط وقال: يفعل هذا بخادمي مع استخفافه بأبي وقوله لي! وبعث إليه: ما حملك على ما فعلت؟ قال: قل له وسله ومره أن يضع يده على رأسك وليصدقك. ففعل ذلك موسى فصدقه الخادم، فقال: أحسن والله! أنا أشهد أنه ابن عمي، لو لم يفعل لانتفيت منه. وأمر بإطلاقه. •••

وقد كان الهادي مثل أبيه محبا للآداب مشجعا للشعراء، وكان على سنته في بغض الزنادقة ومقتهم، موفقا في اختيار الوزراء، مصابا كأبيه ببطانة سوء، همها الوقيعة والوشاية وإغراء الخليفة والبيت المالك باجتراح المآثم واقتراف المظالم.

قال الطبري: إن عبد الله بن محمد المنقري حدث عن أبيه قال: دخل عيسى بن دأب على موسى بن عيسى عند منصرفه من فخ،

2

فوجده خائفا يلتمس عذرا من قتل من قتل، فقال له: أصلح الله الأمير، أنشدك شعرا كتب به يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة يعتذر فيه من قتل الحسين بن علي رضي الله عنه، قال: أنشدني، فأنشده:

يا أيها الراكب الغادي لطيته

على عذافرة

3

في سيرها قحم

أبلغ قريشا على شحط المزار بها

بيني وبين حسين الله والرحم

وموقف بفناء البيت أنشده

عهد الإله وما ترعى له الذمم

عنفتم قومكم فخرا بأمكم

أم حصان لعمري برة كرم

هي التي لا يداني فضلها أحد

بنت النبي وخير الناس قد علموا

وفضلها لكم فضل وغيركم

من قومكم لهم من فضلها قسم

إني لأعلم أو ظنا كعالمه

والظن يصدق أحيانا فينتظم

أن سوف يترككم ما تطلبون بها

قتلى تهاداكم العقبان والرخم

يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ خمدت

ومسكوا بحبال السلم واعتصموا

عصر المأمون · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٥٠