الأمر الثاني: وقوفه موقف حزم نعتقد أنه أنقذ القصر العباسي من شر عظيم أفسد على ملوك الفرس قصورهم، كما أفسد على العباسيين أنفسهم أمور الخلافة بعد عصر المأمون؛ ذلك هو تدخل النساء في أمور الدولة.
فقد ذكر الطبري أن الخيزران والدة الهادي كانت في أول خلافته تفتات عليه في أموره، وتسلك به مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي، فأرسل إليها ألا تخرجي من خفر الكفاية إلى بذاذة التبذل؛ فإنه ليس من قدر النساء الاعتراض في أمر الملك، وعليك بصلاتك وتسبيحك وتبتلك، ولك بعد هذا طاعة مثلك فيما يجب لك. قال: وكانت الخيزران في خلافة موسى كثيرا ما تكلمه في الحاجات، فكان يجيبها إلى كل ما تسأله، حتى مضى لذلك أربعة أشهر من خلافته، وانثال الناس عليها وطمعوا فيها، فكانت المواكب تغدو إلى بابها، فقال: فكلمته يوما في أمر لم يجد إلى إجابتها إليه سبيلا، فاعتل بعلة، فقالت: لا بد من إجابتي، قال: لا أفعل، قالت: فإني قد تضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك، قال: فغضب موسى وقال: ويل على ابن الفاعلة! قد علمت أنه صاحبها، والله لا قضيتها له، قالت: إذن والله لا أسألك حاجة أبدا، قال: إذن والله لا أبالي. وحمي وغضب، فقامت مغضبة، فقال: مكانك تستوعي كلامي، والله - وإلا فأنا نفي من قرابتي من رسول الله
صلى الله عليه وسلم - لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي أو أحد من خاصتي أو خدمي لأضربن عنقه، ولأقبضن ماله، فمن شاء فليلزم ذلك! ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كل يوم؟ أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكرك، أو بيت يصونك؟! إياك ثم إياك ما فتحت بابك لملي أو لذمي. فانصرفت ما تعقل ما تطأ، فلم تنطق عنده بحلوة ولا مرة بعدها.
ولم يكتف الهادي بكلامه معها، بل جمع قواده يوما وقال لهم: أيما خير أنا أم أنتم؟ قالوا: بل أنت يا أمير المؤمنين، قال: فأيما خير أمي أم أمهاتكم؟ قالوا: بل أمك يا أمير المؤمنين، قال: فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه فيقولوا فعلت أم فلان، وصنعت أم فلان، وقالت أم فلان؟ قالوا: ما أحد منا يحب ذلك، قال: فما بال الرجال يأتون أمي فيتحدثون بحديثها! فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها البتة، فشق ذلك عليها فاعتزلته وحلفت لا تكلمه، فما دخلت عليه حتى حضرته الوفاة.
وقد قالوا: إن الهادي حاول سمها فلم يفلح، على أن الخيزران أفلحت في القضاء عليه حين مرض؛ فقد ذكروا أنها دست إليه من جواريها من قتلته بالجلوس على وجهه.
لننتقل الآن إلى الأمر الثالث، وهو محاولته الغدر بأخيه الرشيد، ولننظر في حوادث سنة سبعين ومائة؛ لنرى كيف أخلص آل برمك للرشيد، فقد هم الهادي بتحويل الخلافة عنه لابنه جعفر، ولكن يحيى بن خالد ثبت في المحافظة على ولاية هارون، محتملا في ذلك كل مكروه، وكان لبطانة الهادي أثر سيئ في تشجيعه على خلع الرشيد ومبايعة جعفر، وكان فيمن بايعه يزيد بن مزيد، وعبد الله بن مالك، وعلي بن عيسى ومن أشبههم من أصحاب الأغراض.
ولم تزد الحوادث يحيى بن خالد إلا حرصا على حق الرشيد، فصار يعلله ويسري عنه، ولولاه لخلع الرشيد نفسه بعد أن تنقصوه في مجلس الجماعة وقالوا: لا نرضى به، وصعب أمرهم حتى ظهر، وأمر الهادي ألا يسار قدام الرشيد بحربة، فاجتنبه الناس.
أما الأخبار عن كرمه فكثيرة؛ فمن ذلك ما رواه الطبري في حوادث سنة سبعين ومائة، أنه أمر ذات ليلة بثلاثين ألف دينار لعيسى بن دأب أحد جلاسه، وكان - كما وصفه الطبري - لذيذ الفكاهة، طيب المسامرة، كثير النادرة.
ويقول علي بن صالح: إنه كان يوما على رأس الهادي وهو غلام، وقد كان جفا المظالم عامة ثلاثة أيام، فدخل عليه الحراني فقال له: يا أمير المؤمنين، إن العامة لا تنقاد على ما أنت عليه، لم تنظر في المظالم منذ ثلاثة أيام، فالتفت إلي وقال: يا علي، ائذن للناس علي بالجفلى لا بالنقرى. فخرجت من عنده أطير على وجهي، ثم وقفت فلم أدر ما قال لي، فقلت: أراجع أمير المؤمنين فيقول: أتحجبني ولا تعلم كلامي؟! ثم أدركني ذهني، فبعثت إلى أعرابي كان قد وفد، وسألته عن الجفلي والنقري، فقال: الجفلي جفالة، والنقري بنقر خواصهم، فأمرت بالستور فرفعت، وبالأبواب ففتحت، فدخل الناس على بكرة أبيهم، فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل، فلما تقوض المجلس مثلث بين يديه، فقال: كأنك تريد أن تذكر شيئا يا علي، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، كلمتني بكلام لم أسمعه قبل يومي هذا، وخفت مراجعتك فتقول: أتحجبني وأنت لم تعلم كلامي! فبعثت إلى أعرابي كان عندنا ففسر لي الكلام، فكافئه عني يا أمير المؤمنين، قال: نعم، مائة ألف درهم تحمل إليه، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، إنه أعرابي جلف وفي عشرة آلاف درهم ما أغناه وكفاه، فقال: ويلك يا علي؛ أجود وتبخل! •••