ثم لننتقل إلى حوادث سنة ثمان وخمسين ومائة، فنرى النوفلي يحدثنا عن البيعة للمهدي وما كان من أمر الربيع فيها، فيقول: إن الربيع تناول يد الحسن بن زيد فقال: قم يا أبا محمد فبايع، فقام معه الحسن، فانتهى به الربيع إلى موسى فأجلسه بين يديه، فتناول الحسن يد موسى ثم التفت إلى الناس فقال: يا أيها الناس، إن أمير المؤمنين المنصور كان ضربني واستصفى مالي، فكلمه المهدي فرضى عني، وكلمه في رد مالي علي فأبى ذلك، فأخلفه المهدي من ماله وأضعفه مكان كل علق علقين، فمن أولى بأن يبايع لأمير المؤمنين بصدر منشرح، ونفس طيبة، وقلب ناصح مني، ثم بايع موسى للمهدي، ثم مسح على يده. •••
وبعد، فالمهدي من الخلفاء العباسيين في الذؤابة، وقد صدق الأستاذ «ميور» إذ يقول: إن المهدي كان في إدارته لشئون رعيته كمن يعمل بوجه عام على رفاهية الأمة وإسعادها، وكان معينا ومعجلا للعصر الذهبي الذي تلا أيامه، وما أخذ عليه من بعض الهنات لا يمنع المؤرخ المنصف أن يرى في عصره ترفيها للناس مما كانوا يعانون من الشدة أيام المنصور.
كان المهدي موفقا في اختيار وزرائه، وإن كانت السعاية أحلت ببعضهم العذاب وسوء المصير، وكان دقيقا في نظره للأمور، وقد بدأ خلافته بإطلاق من كان في سجن المنصور، إلا من كان قبله تباعة من دم أو قتل، ومن كان معروفا أنه يسعى في الأرض بالفساد، أو كان لأحد قبله مظلمة، وإنما أطلق من كان جرمهم سياسيا.
وكان محبا للأدب مشجعا على التأليف فيه، جادا في طلب الزنادقة والبحث عنهم في الآفاق، محبا للغزوات والفتوح، وقد قيل: إنه كان لا يشرب النبيذ وإن كان سماره يشربونه في مجلسه، وكان محبا للسماع.
ويخبرنا الطبري في حوادث سنة تسع وستين ومائة، أن المهدي مات مسموما، وقد لبست عليه قيانه المسوح، فقال أبو العتاهية في ذلك:
رحن في الوشي وأصبح
ن عليهن المسوح
كل نطاح من الده
ر له يوم نطوح
لست بالباقي ولو عم
رت ما عمر نوح
فعلى نفسك نح إن
كنت لا بد تنوح
والظاهر مما قدمناه أن المهدي كان يخالف أباه المنصور مخالفة شديدة من بعض النواحي، ويلائمه ملاءمة ما من نواح أخر؛ كان كريما مهينا للمال، بينما كان أبوه بخيلا شحيحا، ولكنه ورث عن أبيه بعض القسوة والميل إلى سفك الدماء.
1
ولم تكن السياسة لتعينه على ذلك، فقد ثبت له المنصور أركان الملك، فالتمس الدماء في تتبع الزنادقة والفتك بهم، وأسرف في ذلك حتى قتل بعض الأبرياء في قسوة تمثلها قصته مع ابن وزيره أبي عبيد الله.
وفي المهدي ناحية جديدة في خلفاء العباسيين هي الميل إلى الاعتدال السياسي في معاملة الطالبيين؛ فقد كان على شيء من الرفق بهم والعطف عليهم، لا يمنعه من اتقائهم والإشفاق منهم. وهذه السياسة الرقيقة الحازمة تذكرنا بعض التذكير بما سيكون من سياسة المأمون.
ومن أظهر خصال المهدي الشخصية غيرته على النساء، تلك التي أغرته ببشار فضربه حتى مات؛ متعللا بزندقته وإن كانت العلة الحقيقية هي استهتار بشار بالغزل.
2
وقد أورث المهدي غيرته هذه ابنه الهادي كما سترى.
| هوامش
الفصل السابع
| الهادي
قال محمد بن علي بن طباطبا في كتاب «الآداب السلطانية»: كان الهادي متيقظا غيورا كريما، شديد البطش، جريء القلب، مجتمع الحس، ذا إقدام وعزم وحزم.
ونحن نخشى أن يكون في هذا الثناء إسراف كثير، فلم يطل عهد الهادي بالخلافة ليمكن الحكم له أو عليه، وإنما مر بها مرور الطيف.
ومع ذلك فقد أكثر المؤرخون من التحدث عنه بالخير، وليس يستوقفنا من سيرته كلها إلا ثلاثة أمور:
الأول: ما ذكره عنه عبد الله بن عبد الملك قال: كنت أتولى الشرطة للمهدي، وكان المهدي يبعث إلى ندماء الهادي ومغنيه، ويأمرني بضربهم، وكان الهادي يسألني الرفق بهم والترفيه لهم ولا ألتفت إلى ذلك، وأمضي لما أمرني به المهدي، قال: فلما ولي الهادي الخلافة أيقنت بالتلف، فبعث إلي يوما، فدخلت عليه متكفنا متحنطا، وإذا هو على كرسي والسيف والنطع بين يديه، فسلمت، فقال: لا سلم الله على الآخر! تذكر يوم بعثت إليك في أمر الحراني وما أمر أمير المؤمنين به من ضربه وحبسه فلم تجبني؟ وفي فلان وفلان - وجعل يعدد ندماءه - فلم تلتفت إلى قولي ولا أمري؟ قلت: نعم، يا أمير المؤمنين، أفتأذن لي في استيفاء الحجة؟ قال: نعم، قلت: ناشدتك بالله يا أمير المؤمنين، أيسرك أنك وليتني ما ولاني أبوك، فأمرتني بأمر فبعث إلي بعض بنيك بأمر يخالف به أمرك، فاتبعت أمره وعصيت أمرك؟ قال: لا، قلت: فكذلك أنا لك، وكذا كنت لأبيك. فاستدناني فقبلت يديه، فأمر بخلع فصبت علي، وقال: قد وليتك ما كنت تتولاه، فامض راشدا. فخرجت من عنده فصرت إلى منزلي مفكرا في أمري وأمره، وقلت: حدث يشرب والقوم الذين عصيته في أمرهم ندماؤه ووزراؤه وكتابه، فكأني بهم حين يغلب عليهم الشراب قد أزالوا رأيه في وحملوه من أمري على ما كنت أكره وأتخوف، قال: فإني لجالس وبين يدي بنية لي في وقتي ذلك، وكانون بين يدي، ورقاق أشطره بكامخ وأسخنه وأضعه للصبية، وإذا ضجة عظيمة حتى توهمت أن الدنيا قد اقتلعت وتزلزلت بوقع الحوافر وكثرة الضوضاء، فقلت: هاه! كان والله ما ظننت، ووافاني من أمره ما تخوفت، فإذا الباب قد فتح، وإذا الخدم قد دخلوا، وإذا أمير المؤمنين الهادي على حمار في وسطهم، فلما رأيته وثبت عن مجلسي مبادرا، فقبلت يده ورجله وحافر حماره، فقال لي: يا عبد الله، إني فكرت في أمرك فقلت: يسبق إلى قلبك أني إذا شربت وحولي أعداؤك أزالوا ما حسن من رأيي فيك، فأقلقك وأوحشك، فصرت إلى منزلك لأونسك وأعلمك أن السخيمة قد زالت عن قلبي لك، فهات فأطعمني مما كنت تأكل، فأفعل فيه ما كنت تفعل، لتعلم أني قد تحرمت بطعامك، وأنست بمنزلك، فيزول خوفك ووحشتك. فأدنيت إليه ذلك الرقاق والسكرجة التي فيها الكامخ فأكل منها، ثم قال: هاتوا الزلة التي أزللتها لعبد الله من مجلسي، فأدخلت إلي أربعمائة بغلة موقرة دراهم، وقال: هذه زلتك فاستعن بها على أمرك، واحفظ لي هذه البغال عندك لعلي أحتاج إليها يوما لبعض أسفاري، ثم قال: أظلك الله بخير، وانصرف راجعا. ونحن وإن كنا نفترض في هذه الرواية وأمثالها المبالغة، نرى أنها تدل في جملتها على بصر بالسياسة، وفطنة في العلم بالناس، والانتفاع بكفاياتهم.