هو المهدي إلا أن فيه
مشابه صورة القمر المنير
تشابه ذا وذا فهما إذا ما
أنارا مشكلان على البصير
فهذا في الظلام سراج ليل
وهذا في النهار سراج نور
ولكن فضل الرحمن هذا
على ذا بالمنابر والسرير
وبالملك العزيز فذا أمير
وما ذا بالأمير ولا الوزير
ونقص الشهر يخمد ذا وهذا
منير عند نقصان الشهور
فيا ابن خليفة الله المصفى
به تعلو مفاخرة الفخور
لئن فت الملوك وقد توافوا
إليك من السهولة والوعور
لقد سبق الملوك أبوك حتى
بقوا من بين كاب أو حسير
وجئت وراءه تجري حثيثا
وما بك حين تجري من فتور
فقال الناس: ما هذان إلا
بمنزلة الخليق من الجدير
لئن سبق الكبير فأهل سبق
له فضل الكبير على الصغير
وإن بلغ الصغير مدى الكبير
لقد خلق الصغير من الكبير
فقال: والله لقد أحسنت! ولكن هذا لا يساوي عشرين ألف درهم، ثم قال لي: أين المال؟ قلت: ها هو ذا، قال: يا ربيع، انزل معه فأعطه أربعة آلاف درهم، وخذ الباقي، قال: فخرج الربيع فحط ثقلي، ووزن لي أربعة آلاف درهم وأخذ الباقي، فلما صارت الخلافة إلى المهدي ولي ابن ثوبان المظالم، فكان يجلس للناس بالرصافة، فإذا ملأ كساءه رقاعا رفعها إلى المهدي، فرفعت إليه يوما رقعة أذكره قصتي، فلما دخل بها ابن ثوبان جعل المهدي ينظر في الرقاع، حتى إذا نظر في رقعتي ضحك، فقال له ابن ثوبان: أصلح الله الأمير، ما رأيتك ضحكت من شيء من هذه الرقاع إلا من هذه الرقعة! قال: هذه رقعة أعرف سببها، ردوا إليه العشرين ألف درهم، فردت إلي وانصرفت .
ولنترك هذه السماحة في إجازة الشعراء لنرى كيف كانت أريحية المهدي في الإحسان إلى الجماهير، فقد ذكر الطبري في حوادث سنة ستين ومائة، أن المهدي قسم في تلك السنة مالا عظيما في أهل مكة وفي أهل المدينة كذلك، وأنه نظر فيما قسم في تلك السفرة، فوجد ثلاثين ألف ألف درهم حملت معه، ووصلت من مصر ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليمن مائتا ألف دينار، فقسم ذلك كله، وفرق من الثياب مائة ألف ثوب وخمسين ألف ثوب. •••
وكان المهدي إلى جانب جوده وسخائه حييا خجولا وبرا رحيما؛ دخل عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن المنصور شتمني وقذف أمي، فإما أمرتني أن أحله، وإما عوضتني واستغفرت الله له، قال المهدي: ولم شتمك؟ قال: شتمت عدوه بحضرته فغضب، قال: ومن عدوه الذي غضب لشتمه؟ قال: إبراهيم بن عبد الله بن حسن، قال: إن إبراهيم أمس به رحما، وأوجب عليه حقا، فإن كان شتمك كما زعمت فعن رحمه ذب، وعن عرضه دفع، وما أساء من انتصر لابن عمه، قال: إنه كان عدوا له، قال: فلم ينتصر للعداوة وإنما انتصر للرحم. فأسكت الرجل، فلما ذهب ليولي قال: لعلك أردت أمرا فلم تجد له ذريعة عندك أبلغ من هذه الدعوى، قال: نعم، قال: فتبسم المهدي وأمر له بخمسة آلاف درهم.
ولننظر إلى ما يرويه الربيع عنه، قال: رأيت المهدي يصلي في بهو له في ليلة مقمرة، فما أدرى أهو أحسن أم البهو أم القمر أم ثيابه؟! قال: فقرأ هذه الآية:
فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم
قال: فأتم صلاته والتفت إلي فقال: يا ربيع، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: علي بموسى، وقام إلى صلاته، قال: فقلت: من موسى؟ أابنه موسى أم موسى بن جعفر - وكان محبوسا عندي - قال: فجعلت أفكر، قال: فقلت: ما هو إلا موسى بن جعفر، قال: فأحضرته، قال: فقطع المهدي صلاته وقال: يا موسى، إني قرأت هذه الآية:
فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم
فخفت أن أكون قطعت رحمك، فوثق لي أنك لا تخرج علي، قال: فقال: نعم. فوثق له وخلاه.
ومثل هذا ما حدث به علي بن صالح قال: غضب المهدي على بعض القواد - وكان عتب عليه غير مرة - فقال له: إلى متى تذنب إلي وأعفو؟! قال: إلى أبد نسيء ويبقيك الله فتعفو عنا. فكررها عليه مرات، فاستحى منه ورضي عنه.