أقفو مساعيك اللائي خصصت بها
حذو الشراك على مثل من الأدم
فكان فضلي فيها أنني تبع
لما سننت من الإنعام والنعم
ولو وكلت إلى نفسي عنيت بها
لكن بدأت فلم أعجز ولم ألم
فضحك المأمون وقال: والله ما نفست عليك مكرمة نلتها، ولا أحدوثة حسن عندك ذكرها، ولكن هذا شيء إذا عودته نفسك افتقرت، ولم تقدر على لم شعثك وإصلاح حالك. وزال ما كان في نفسه.
لما فتح عبد الله مصر سوغه المأمون خراجها، فصعد المنبر فلم يزل حتى أجاز بها كلها ثلاثة آلاف ألف دينار أو نحوها، فأتاه معلى الطائي وقد أعلموه ما صنع بالناس في الجوائز وكان عليه واجدا، فوقف بين يديه تحت المنبر فقال: أصلح الله الأمير، أنا معلى الطائي، وقد بلغ مني ما كان منك من جفاء وغلظ، فلا يغلظن علي قلبك، ولا يستخفنك الذي بلغك، أنا الذي أقول:
يا أعظم الناس عفوا عند مقدرة
وأظلم الناس عند الجود للمال
لو أصبح النيل يجري ماؤه ذهبا
لما أشرت إلى خزن بمثقال
تغلي بما فيه رق الحمد تملكه
وليس شيء أعاض الحمد بالغالي
تفك باليسر كف العسر من زمن
إذا استطال على قوم بإقلال
لم تخل كفك من جود لمختبط
ومرهف قاتل في رأس قتال
وما بثثت رعيل الخيل في بلد
إلا عصفن بأرزاق وآجال
إن كنت منك على بال مننت به
فإن شكرك من قلبي على بال
ما زلت مقتضبا لولا مجاهرة
من ألسن خضن في صدري بأقوال
فضحك عبد الله وسر بما كان منه وقال: يا أبا السمراء، أقرضني عشرة آلاف دينار فما أمسيت أملكها. فأقرضه فدفعها إليه.
كان موسى بن خاقان مع عبد الله بن طاهر بمصر، وكان نديمه وجليسه، وكان له مؤثرا مقدما، فأصاب منه معروفا كثيرا وأجازه بجوائز سنية هناك وقبل ذلك، ثم إنه وجد عليه في بعض الأمر فجفاه وظهر له منه بعض ما لم يحبه، فرجع حينئذ إلى بغداد وقال:
إن كان عبد الله خلانا
لا مبدئا عرفا وإحسانا
فحسبنا الله رضينا به
ثم بعبد الله مولانا
يعني به المأمون، وغنت فيه جاريته وسمعه المأمون، فاستحسنه ووصله وإياها، فبلغ ذلك عبد الله بن طاهر، فغاظه ذلك وقال: أجل! صنعنا المعروف إلى غير أهله فضاع.
ولعبد الله ألحان صاغها، فمنها ومن مختارها وصدورها ومقدمها لحنه في شعر أخت عاصية، فإنه صوت نادر جيد صحيح العمل مزدوج النغم، بين لين وشدة على رسم الحذاق من القدماء، وهو:
هلا سقيتم بني سهم أسيركم
نفسي فداؤك من ذي غلة صادي
الطاعن الطعنة النجلاء يتبعها
مضرج بعد ما جادت بإزباد
ومن غنائه أيضا:
راح صحبي وعاود القلب داء
من حبيب طلابه لي عناء
حسن الرأي والمواعيد لا يل
فى لشيء مما يقول وفاء
من تعزى عمن يحب فإني
ليس لي ما حييت عنه عزاء (9) ما قيل في هجاء الأمين ورثائه
قيل في هجائه:
لم نبكيك لماذا للطرب
يا أبا موسى وترويح اللعب
ولترك الخمس في أوقاتها
حرصا منها على ماء العنب
وشنيف أنا لا أبكي له
وعلى كوثر لا أخشى العطب
لم تكن تعرف ما حد الرضا
لا ولا تعرف ما حد الغضب
لم تكن تصلح للملك ولم
تعطك الطاعة بالملك العرب
أيها الباكي عليه لا بكت
عين من أبكاك إلا للعجب
لم نبكيك لما عرضتنا
للمجانيق وطورا للسلب
ولقوم صيرونا أعبدا
لهم يبدو على الرأس الذنب
في عذاب وحصار مجهد
سدد الطرق فلا وجه طلب
زعموا أنك حي حاشر
كل من قد قال هذا قد كذب
ليت من قد قاله في وحدة
من جميع ذاهب حيث ذهب
أوجب الله علينا قتله
فإذا ما أوجب الأمر وجب
كان والله علينا فتنة
غضب الله عليه وكتب
وقال عبد الرحمن بن أبي الهداهد يرثيه:
يا غرب جودي قد بت من وذمه
فقد فقدنا الغزير من ديمه
ألوت بدنياك كف نائبة
وصرت مغضى لنا على نقمه
أصبح للموت عندنا علم
يضحك سن المنون من علمه
ما استنزلت درة المنون على
أكرم من حل في ثرى رحمه
خليفة الله في بريته
تقصر أيدي الملوك عن شيمه
يفتر عن وجهه سنا قمر
ينشق عن نوره دجى ظلمه
زلزلت الأرض من جوانبها
إذ أولغ السيف من نجيع دمه