غمر ملتجة زواخرها
والقصد إن الطريق ذو شعب
أشأمها وعثها وجائرها
أصبحت في أمة أوائلها
قد فارقت هديها أواخرها
وأنت سرسورها وسائسها
فهل على الحق أنت قاسرها
أدب رجالا رأيت سيرتهم
خالف حكم الكتاب سائرها
وامدد إلى الناس كف مرحمة
تسد منهم بها مفاقرها
أمكنك العدل إذ هممت به
ووافقت مده مقادرها
وأبصر الناس قصد وجههم
وملكت أمة أخايرها
تشرع أعناقنا إليك إذا الس
ادات يوما جمت عشائرها
كم عندنا من نصيحة لك في الله
وقربى عزت زوافرها
وحرمة قربت أواصرها
منك وأخرى هل أنت ذاكرها
سعي رجال في العلم مطلبهم
رائحها باكر وباكرها
دونك غراء كالوذيلة لا
تفقد في بلدة سوائرها
لا طمعا قلتها ولا بطرا
لكل نفس نفس تؤامرها
سيرها الله بالنصيحة وال
خشية فاستدمجت مرائرها
جاءتك تحكي لك الأمور كما
ينشر بز التجار ناشرها
حملتها صاحبا أخا ثقة
يظل عجبا بها يحاضرها
ومن جيد شعره قوله:
الناس أخلاقهم شتى وإن جبلوا
على تشابه أرواح وأجساد
للخير والشر أهل وكلوا بهما
كل له من دواعي نفسه هاد
منهم خليل صفاء ذو محافظة
أرسى الوفاء أواخيه بأوتاد
ومشعر الغدر محني أضالعه
على سريرة غمر غلها باد
مشاكس خدع جم غوائله
يبدي الصفاء ويخفي ضربة الهادي
يأتيك بالبغى في أهل الصفاء ولا
ينفك يسعى بإصلاح لإفساد
ومن جيد شعر الخريمي قوله:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله
ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى
ولكنما وجه الكريم خصيب
ومن جيد شعره قوله:
زاد معروفك عندي عظما
أنه عندك محقور صغير
وتناسيه كأن لم تأته
وهو عند الناس مشهور كبير
وهو القائل:
وإن أشد الناس في الحشر حسرة
لمورث مال غيره وهو كاسبه
كفى سفها بالكهل أن يتبع الصبا
وأن يأتي الأمر الذي هو عائبه
ويستجاد له قوله:
ودون الندى في كل قلب ثنية
لها مصعد وعر ومنحدر سهل
وود الفتى في كل نيل ينيله
إذا ما انقضى لو أن نائله جزل
وأعلم علما ليس بالظن أنه
لكل أناس من ضرائبهم شكل
وأن أخلاء الزمان غناؤهم
قليل إذا الإنسان زلت به النعل
تزود من الدنيا متاعا لغيرها
فقد شمرت حذاء وانصرم الحبل
وهل أنت إلا هامة اليوم أو غد
لكل أناس من طوارقها الثكل
وفي هذا الشعر يقول:
أبا لصغد بأس إذ تعيرني جمل
سفاها ومن أخلاق جارتي الجهل
فإن تفخري يا جمل أو تتجملي
فلا فخر إلا فوقه الدين والعقل
أرى الناس شرعا في الحياة ولا يرى
لقبر على قبر علاء ولا فضل
وما ضرني أن لم تلدني يحابر
ولم تشتمل جرم علي ولا عكل
وهو القائل:
ما أحسن الغيرة في حينها
وأقبح الغيرة في كل حين
من لم يزل متهما عرسه
مناصبا فيها لريب الظنون
أوشك أن يغريها بالذي
يخاف أن يبرزها للعيون
حسبك من تحصينها وضعها
منك إلى عرض صحيح ودين
لا تطلع منك على ريبة
فيتبع المقرون حبل القرين (8) عبد الله بن طاهر
كان بمحل من علو المنزلة وعظم القدر ولطف مكان من الخلفاء، يستغنى به عن التقريظ له والدلالة عليه، وأمره في ذلك مشهور عند الخاصة والعامة، وله في الأدب مع ذلك المحل الذي لا يدفع، وفي السماحة والشجاعة ما لا يقاربه فيه أحد.
104
وكان أديبا ظريفا جيد الغناء، نسب إليه صاحب الأغاني أصواتا كثيرة أحسن فيها ونقلها أهل الصنعة عنه، وله شعر رائع ورسائل ظريفة، فمن شعره قوله:
نحن قوم تليننا الحدق النج
ل على أننا نلين الحديدا
طوع أيدي الظباء تقتادنا العي
ن ونقتاد بالطعان الأسودا
نملك الصيد ثم تملكنا البي
ض المصونات أعينا وخدودا
تتقي سخطنا الأسود ونخشى
سخط الخشف حين يبدي الصدودا
فترانا يوم الكريهة أحرا
را وفي السلم للغواني عبيدا
أعطاه المأمون مال مصر لسنة، خراجها وضياعها، فوهبه كله وفرقه في الناس ورجع صفرا من ذلك، فغاظ المأمون فعله، فدخل إليه يوم مقدمه، فأنشده أبياتا قالها في هذا المعنى، وهي:
نفسي فداؤك والأعناق خاضعة
للنائبات أبيا غير مهتضم
إليك أقبلت من أرض أقمت بها
حولين بعدك في شوق وفي ألم