تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجرد إبراهيم للموت نفسه

وأبدى سلاحا فوق ذي ميعة نهد

وأبلى ومن يبلغ من الأمر جهده

فليس بمذموم وإن كان لم يجد

فهذي أمور قد يخاف ذوو النهى

مغبتها والله يهديك للرشد

وكانت الخلافة في أيام الواثق تدور على إيتاخ وكاتبه سليمان بن وهب، وعلى أشناس وكاتبه أحمد بن الخصيب، فعمل محمد بن عبد الملك قصيدة وأوصلها إلى الواثق على أنها لبعض أهل العسكر، وهي:

يا بن الخلائف والأملاك إن نسبوا

حزت الخلافة عن آبائك الأول

أجرت أم رقدت عيناك عن عجب

فيه البرية من خوف ومن وهل

وليت أربعة أمر العباد معا

وكلهم حاطب في حبل محتبل

هذا سليمان قد ملكت راحته

مشارق الأرض من سهل ومن جبل

ملكته السند فالشحرين من عدن

إلى الجزيرة فالأطراف من ملل

خلافة قد حواها وحده فمضت

أحكامه في دماء القوم والنفل

وابن الخصيب الذي ملكت راحته

خلافة الشأم والغازين والقفل

فنيل مصر فبحر الشأم قد جريا

بما أراد من الأموال والحلل

كأنهم في الذي قسمت بينهم

بنو الرشيد زمان القسم للدول

حوى سليمان ما كان الأمين حوى

من الخلافة والتبليغ للأمل

وأحمد بن خصيب في إمارته

كالقاسم بن الرشيد الجامع السبل

أصبحت لا ناصح يأتيك مستترا

ولا علانية خوفا من الحيل

سل بيت مالك أين المال تعرفه

وسل خراجك عن أموالك الجمل

كم في حبوسك ممن لا ذنوب لهم

أسرى التكذب في الأقياد والكبل

سميت باسم الرشيد المرتضى فبه

تسمى الأمور التي تنجي من الزلل

عث فيهم مثل ما عاثت يداه معا

على البرامك بالتهديم للقلل

فلما قرأ الواثق هذا الشعر غاظه، ونكب سليمان بن وهب وأحمد بن الخصيب، وأخذ منهما ومن أسبابهما ألفي ألف دينار فجعلها في بيت المال. (6) ابن البواب

97

لما أتي المأمون بشعر ابن البواب الذي يقول فيه:

أيبخل فرد الحسن فرد صفاته

علي وقد أفردته بهوى فرد

رأى الله عبد الله خير عباده

فملكه والله أعلم بالعبد

ألا إنما المأمون للناس عصمة

مميزة بين الضلالة والرشد

فقال المأمون: أليس هو القائل:

أعيني جودا وابكيا لي محمدا

ولا تذخرا دمعا عليه وأسعدا

فلا فرح المأمون بالملك بعده

ولا زال في الدنيا شريدا مطردا

واحدة بواحدة، ولم يصله بشيء. ولما سخط عليه قال قصيدة يمدحه بها، ودس من غناه في بعضها لما وجد منه نشاطا، فسأل: من قائلها؟ فأخبر به، فرضي عنه ورده إلى رسمه من الخدمة، وهي:

هل للمحب معين

إذ شط عنه القرين

فليس يبكي لشجو ال

حزين إلا الحزين

يا ظاعنا غاب عنا

غداة بان القطين

أبكى العيون وكانت

به تقر العيون

يا أيها المأمون ال

مبارك الميمون

لقد صفت بك دنيا

للمسلمين ودين

عليك نور جلال

ونور ملك مبين

القول منك فعال

والظن منك يقين

ما من يديك شمال

كلتا يديك يمين

كأنما أنت في الجو

د والتقى هارون

من نال من كل فضل

ما ناله المأمون

تألف الناس منه

فضل وجود ولين

كالبدر يبدو عليه

سكينة وسكون

فالرزق من راحتيه

مقسم مضمون

وكل خصلة فضل

كانت فمنه تكون

ومما يغنى فيه قوله:

أفق أيها القلب المعذب كم تصبو؟

فلا النأي عن سلماك يسلي ولا القرب

أقول غداة استخبرت مم علتي؟

من الحب كرب ليس يشبهه كرب

إذا أبصرتك العين من بعد غاية

فأدخلت شكا فيك أثبتك القلب

ولو أن ركبا يمموك لقادهم

نسيمك حتى يستدل بك الركب

أملق ابن البواب حين جفاه الخليفة وعلت سنه عن الخدمة، فرحل إلى أبي دلف القاسم بن عيسى ومدحه بقصيدة، فوهب له ثلاثين ألف درهم وعاد بها إلى بغداد، فما نفدت حتى مات؛ وهي قوله:

طرقتك صائدة القلوب رباب

ونأت فليس لها إليك مآب

وتصرمت منها العهود وغلقت

من دون نيل طلابها الأبواب

فلأصدفن عن الهوى وطلابه

فالحب فيه بلية وعذاب

وأخص بالمدح المهذب سيدا

نفحاته للمجتدين رغاب

وإلى أبى دلف رحلت مطيتي

قد شفها الإرقال

98

والإتعاب

تعلو بنا قلل الجبال ودونها

مما هوت أهوية وشعاب

فإذا حللت لدى الأمير بأرضه

نلت المنى وتقضت الآراب

ملك تأثل عن أبيه وجده

عصر المأمون · الصفحة ٤٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٧٠