أمير المؤمنين عن الصيام
وعندي من قيان المصر عشر
تطيب بهن عاتقة المدام
ومن أمثالهن إذا انتشينا
ترانا نجتني ثمر الغرام
فكن أنت الجواب فليس شيء
أحب إلي من حذف الكلام
فوردت رقعته، وقد سبقه إليه محمد بن الحارث بن بسخنر ووجه إليه بغلام نظيف الوجه ومعه ثلاثة غلمة أقران حسان الوجه، ومعهم رقعة كتبها كما تكتب المناشير، وختمها في أسفلها وكتب فيها يقول:
سر على اسم الله يا أش
كل من غصن لجين
في ثلاث من بني الرو
م إلى دار حسين
أشخص الكهل إلى مو
لاك يا قرة عيني
أره العنف إذا استع
صى وطالبه بدين
ودع اللفظ وخاطب
ه بغمز الحاجبين
واحذر الرجعة من وج
هك في خفي حنين
فمضى معهم.
ومن قوله لمن أعرض عنه:
تتيه علينا أن رزقت ملاحة
فمهلا علينا بعض تيهك يا بدر
لقد طال ما كنا ملاحا وربما
صددنا وتهنا ثم غيرنا الدهر
وله في هوى حجب عنه:
ظن من لا كان ظن
بحبيبي فحماه
أرصد الباب رقيبي
ن له فاكتنفاه
فإذا ما اشتاق قربي
ولقائي منعاه
جعل الله رقيبي
ه من السوء فداه
والذي أقرح في الشا
دن قلبي ولواه
كل مشتاق إليه
فمن السوء فداه
سيما من حالت الأح
راس من دون مناه
أمره المتوكل بأن ينادمه ويلازمه، فلم يطق ذلك لكبر سنه، فقال للمتوكل بعض من حضر عنده: هو يطيق الذهاب إلى القرى والمواخير والسكر فيها ويعجز عن خدمتك! فبلغه ذلك، فدفع إلى أحمد بن حمدون أبياتا قالها وسأله إيصالها، فأوصلها إلى المتوكل، وهي:
أما في ثمانين وفيتها
عذير وإن أنا لم أعتذر
فكيف وقد جزتها صاعدا
مع الصاعدين بتسع أخر
وقد رفع الله أقلامه
عن ابن ثمانين دون البشر
سوى من أصر على فتنة
وألحد في دينه أو كفر
وإني لمن أسراء الإل
ه في الأرض نصب صروف القدر
فإن يقض لي عملا صالحا
أثاب وإن يقض شرا غفر
فلا تلح في كبر هدني
فلا ذنب لي أن بلغت الكبر
هو الشيب حل بعقب الشباب
فمن ذا يلوم إذا ما عذر
وإني لفي كنف مغدق
وعز بنصر أبي المنتصر
يباري الرياح بفضل السما
ح حتى تبلد أو تنحسر
له أكد الوحي ميراثه
ومن ذا يخالف وحي السور
وما للحسود وأشباهه
ومن كذب الحق إلا الحجر
فلما أوصلها شيعها بكلام يعذره وقال: لو أطاق خدمة أمير المؤمنين لكان أسعد بها! فقال المتوكل: صدقت. وأمر له بعشرين ألف درهم. (5) محمد بن عبد الملك الزيات
96
كان محمد شاعرا مجيدا لا يقاس به أحد من الكتاب، وإن كان إبراهيم بن العباس مثله في ذلك، فإن إبراهيم مقل وصاحب قصار ومقطعات. وكان محمد شاعرا يطيل فيجيد، ويأتي بالقصار فيجيد؛ وكان بليغا حسن اللفظ إذا تكلم وإذا كتب.
ولما تولى محمد الوزارة اشترط ألا يلبس القباء، وأن يلبس الدراعة ويتقلد عليها سيفا بحمائل، فأجيب إلى ذلك.
وكان يقول: الرحمة خور في الطبيعة، وضعف في المنة، ما رحمت شيئا قط؛ فكانوا يطعنون عليه في دينه بهذا القول، فلما وضع في الثقل والحديد قال: ارحموني! فقالوا له: وهل رحمت شيئا قط فترحم؟ هذه شهادتك على نفسك وحكمك عليها.
لما ماتت أم ابنه عمرو رثاها بقصيدة منها:
يقول لي الخلان لو زرت قبرها
فقلت وهل غير الفؤاد لها قبر
على حين لم أحدث فأجهل قبرها
ولم أبلغ السن التي معها الصبر
ومن شعره قوله:
ما أعجب الشيء ترجوه فتحرمه
قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي
ما لي إذا غبت لم أذكر بصالحة
وإن مرضت فطال السقم لم أعد
ومن شعره قوله:
ألم تعجب لمكتئب حزين
خدين صبابة وحليف صبر
يقول إذا سألت به بخير
وكيف يكون مهجور بخير
وكان لمحمد برذون أشهب لم ير مثله فراهة وحسنا، فسعى به محمد بن خالد إلى المعتصم ووصف له فراهته، فبعث إليه المعتصم فأخذه منه، فقال محمد بن عبد الملك يرثيه:
كيف العزاء وقد مضى لسبيله
عنا فودعنا الأحم الأشهب
دب الوشاة فأبعدوك وربما
بعد الفتى وهو الأحب الأقرب
لله يوم نأيت عني ظاعنا
وسلبت قربك أي علق أسلب
نفس مفرقة أقام فريقها
ومضى لطيته فريق يجنب
فالآن إذ كملت أداتك كلها