قال: أنشدت أبا نواس قصيدتي التي قلتها في الخمر وهي:
بدلت من نفحات الورد بالآء
91
ومن صبوحك در الإبل والشاء
فلما انتهيت منها إلى قولي:
حتى إذا أسندت في البيت واحتضرت
عند الصبوح ببسامين أكفاء
فضت خواتمها في نعت واصفها
عن مثل رقراقة في جفن مرهاء
92
فصعق صعقة أفزعتني وقال: أحسنت والله يا أشقر! فقلت: ويلك يا حسن، إنك أفزعتني والله! فقال: بلى والله أنت أفزعتني ورعتني، هذا معنى من المعاني التي كان فكري لا بد أن ينتهي إليها أو أغوص عليها وأقولها، فسبقتني إليه واختلسته مني، وستعلم لمن يروى؛ ألي أم لك! فكان والله كما قال، سمعت من لا يعلم يرويها له.
لما قدم المأمون من خراسان أمر بأن يسمى له قوم من أهل الأدب ليجالسوه ويسامروه، فذكر له جماعة فيهم الحسين بن الضحاك، وكان من جلساء محمد المخلوع، فلما رأى اسمه قال: أليس هو الذي يقول في محمد:
هلا بقيت لسد فاقتنا
أبدا وكان لغيرك التلف
فلقد خلفت خلائفا سلفوا
ولسوف يعوز بعدك الخلف
لا حاجة لي فيه، والله ولا يراني أبدا إلا في الطريق. ولم يعاقب الحسين على ما كان من هجائه له وتعريضه به، وانحدر حسين إلى البصرة فأقام بها طول أيام المأمون.
قال أبو صالح بن الرشيد: دخلت يوما على المأمون ومعي بيتان للحسين بن الضحاك، فقلت: يا أمير المؤمنين، أحب أن تسمع مني بيتين. فقال: أنشدهما. فأنشدتهما:
حمدنا الله شكرا إذ حبانا
بنصرك يا أمير المؤمنينا
فأنت خليفة الرحمن حقا
جمعت سماحة وجمعت دينا
فقال: لمن هذان البيتان؟ فقلت: لعبدك يا أمير المؤمنين حسين بن الضحاك. قال: قد أحسن. فقلت: وله يا أمير المؤمنين أجود من هذا. فقال: وما هو؟ فأنشدته قوله:
أجرني فإني قد ظمئت إلى الوعد
متى تنجز الوعد المؤكد بالعهد
أعيذك من خلف الملوك وقد بدا
تقطع أنفاس عليك من الوجد
أيبخل فرد الحسن عني بنائل
قليل وقد أفردته بهوى فرد
رأى الله عبد الله خير عباده
فملكه والله أعلم بالعبد
ألا إنما المأمون للناس عصمة
مميزة بين الضلالة والرشد
فأطرق ساعة ثم قال: ما تطيب نفسي له بخير بعد ما قال في أخي محمد ما قال.
ومن قوله يرثي محمدا الأمين:
أطل حزنا وابك الإمام محمدا
بحزن وإن خفت الحسام المهندا
فلا تمت الأشياء بعد محمد
ولا زال شمل الملك منها مبددا
ولا فرح المأمون بالملك بعده
ولا زال في الدنيا طريدا مشردا
ولحسين في محمد الأمين مراث كثيرة جياد، وكان كثير التحقق به والموالاة له لكثرة إفضاله عليه، وميله إليه، وتقديمه إياه، وبلغ من جزعه عليه أنه خولط فكان ينكر قتله لما بلغه ويدفعه ويقول: إنه مستتر وأنه قد وقف على دعاته في الأمصار يدعون إلى مراجعة أمره والوفاء ببيعته ضنا به وشفقة عليه.
ومن جيد مراثيه إياه قوله:
سألونا أن كيف نحن؟ فقلنا
من هوى نجمه فكيف يكون؟
نحن قوم أصابنا حدث الده
ر فظلنا لريبه نستكين
نتمنى من الأمين إيابا
لهف نفسي وأين مني الأمين
ومن جيد قوله في مراثيه إياه:
أعزي يا محمد عنك نفسي
معاذ الله والأيدي الجسام
فهلا مات قوم لم يموتوا
ودوفع عنك لي يوم الحمام
كأن الموت صادف منك غنما
أو استشفى بقربك من سقام
وقال أيضا يرثيه:
يا خير أسرته وإن زعموا
إني عليك لمثبت أسف
الله يعلم أن لي كبدا
حري عليك ومقلة تكف
ولئن شجيت بما رزئت به
إني لأضمر فوق ما أصف
هلا بقيت لسد فاقتنا
أبدا وكان لغيرك التلف
فلقد خلفت خلائفا سلفوا
ولسوف يعوز بعدك الخلف
لا بات رهطك بعد هفوتهم
إني لرهطك بعدها شنف
93
هتكوا بحرمتك التي هتكت
حرم الرسول ودونها السجف
وثبت أقاربك التي خذلت
وجميعها بالذل معترف
لم يفعلوا بالشط إذ حضروا
ما تفعل الغيرانة الأنف
تركوا حريم أبيهم نفلا
والمحصنات صوارخ هتف
أبدت مخلخلها على دهش
أبكارهن ورنت النصف
سلبت معاجرهن
94
واجتليت
ذات النقاب ونوزع الشنف
فكأنهن خلال منتهب
در تكشف دونه الصدف