دليتني بغرور وعدك في
متلاطم من حومة الغرق
حتى إذا شمت العدو وقد
شهر انتقاصك شهرة البلق
أنشأت تحلف أن ودك لي
صاف وحبلك غير منحذق
وحسبتني فقعا بقرقرة
فوطئتني وطئا على حنق
ونصبتني علما على غرض
ترمينني الأعداء بالحدق
وظننت أرض الله ضيقة
عني وأرض الله لم تضق
من غير ما جرم سوى ثقة
مني بوعدك حين قلت ثق
ومودة تحنو عليك بها
نفسي بلا من ولا ملق
فمتى سألتك حاجة أبدا
فاشدد بها قفلا على غلق
وقف الإخاء على شفا جرف
هار فبعه بيعة الخلق
وأعد لي قفلا وجامعة
فاشدد يدي بها إلى عنقي
أعفيك مما لا تحب بها
واسدد على مذاهب الأفق
ما أطول الدنيا وأعرضها
وأدلني بمسالك الطرق
دخل دعبل على عبد الله بن طاهر فأنشده وهو ببغداد:
جئت بلا حرمة ولا سبب
إليك إلا بحرمة الأدب
فاقض ذمامي فإنني رجل
غير ملح عليك في الطلب
فانتقل عبد الله ودخل الحرم ووجه إليه بصرة فيها ألف درهم، وكتب إليه:
أعجلتنا فأتاك عاجل برنا
ولو انتظرت كثيره لم يقلل
فخذ القليل وكن كأنك لم تقل
ونكون نحن كأننا لم نفعل
مات دعبل بقرية من قرى السوس، بعث إليه مالك بن طوق من ضرب ظهره بعكاز لها زج مسموم فمات من غد. (4) حسين بن الضحاك
89
شاعر
90
ظريف شديد الظرف، ربما انقطع نظيره في شعراء العصر العباسي كله، وهو مع ظرفه وإسرافه في المجون، قليل الفحش في اللفظ. غير متهالك على القول الآثم والألفاظ المنكرة، لا يتخيرها ولا يقصد إليها، وإنما يعرض لها إذا اضطر إليها اضطرارا، وهو على ظرفه ورقة حاشيته وحرصه على نقاء اللفظ وطهره شاعر بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة، مجود إذا فكر، مظفر إذا بحث، موفق إلى اللفظ المتين، والأسلوب الرصين في غير جفوة ولا غلظة، لا يعرف التكلف في لفظ ولا معنى، وإنما ينطلق لسانه مع سجيته، وسجيته سهلة مرسلة غنية غزيرة المادة، لا تكاد تنضب، ولا ينالها إعياء أو كلال، وحياته كلها عبر وعظات ولكنها عبر وعظات مبتسمة ليست بالمظلمة ولا العابسة ولا بالتي تردك وتنفرك، وتجعل للحزن والأسى إلى قلبك سبيلا، ولعلك لا تجد من شعراء هذا العصر رجلا مثله، تقرأ أخباره فتظل مبتسما منذ تبتدئ إلى أن تنتهي دون أن تعبس أو تقطب. وربما تجاوزت الابتسام إلى الإغراق في الضحك من حين إلى حين، ولكنك لن تترك الابتسام إلى الحزن الشديد. وربما اعترضتك في طريقك سحابة محزنة، ولكن هذه السحابة رقيقة هادئة هينة، فهي أضعف من أن تزيل ابتسامتك. وكان هذا الشاعر من المعمرين، بلغ المائة أو كاد، وعاصر طبقات من الشعراء، وألوانا من حاشية الخلفاء، ولكنه ظل محتفظا بشخصيته الوادعة المبتسمة، تغير الناس واختلفت الظروف، وظل هو واحدا لم يتغير. كان خليعا، بل كان يعرف بالخليع، وكان كثير المجون مسرفا فيه، وما أحسب أن أبا نواس سبقه إلى لذة أو برز عليه في مأثم، ولكنه على خلاعته وإسرافه في المجون وتهالكه على اللذات، احتفظ طول حياته بشيء من كرم الخلق وطهارة العنصر وجودة الأصل، كأنما كانت هذه اللذات والآثام تنزلق على نفسه وأخلاقه انزلاقا دون أن تترك فيها أثرا باقيا، وإنما كانت الآثار التي تتركها لياليه الساهرة، وأيامه المملوءة بالعبث، هذه الأشعار الجميلة الحلوة التي سأظهرك على طرف منها.
فلم يكن هذا الرجل كغيره من الشعراء الذين إنما كانوا يصلون إلى الخلفاء بعد الجهد والكد، وبعد التلطف وحسن الحيلة؛ وإنما كان متصلا بالخلفاء اتصالا شديدا، يعاشرهم ويرافقهم ويتدخل في حياتهم الخاصة، وربما تدخل إلى أكثر مما ينبغي. وكان الخلفاء يبحثون عنه، ويحرصون على عشرته، ويبذلون في ذلك غير قليل من الإلحاح والعطاء، وكان شعره كله أو أكثره مرآة لحياة القصر في أيام طائفة غير قليلة من الخلفاء.
فترى من هذا الوصف أنه شاعر أديب ظريف مطبوع، حسن التصرف في الشعر، حلو المذهب، لشعره قبول ورونق صاف، وكان أبو نواس يأخذ معانيه في الخمر فيغير عليها، وإذا شاع له شعر نادر في هذا المعنى نسبه الناس إلى أبي نواس، وله معان في صفتها أبدع فيها، وهاجى مسلم بن الوليد فانتصف منه، وله غزل كثير جيد، وهو من المطبوعين الذين تخلو أشعارهم ومذاهبهم جملة من التكلف.