تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان المعتصم يبغض دعبلا لطول لسانه. وبلغ دعبلا أنه يريد اغتياله وقتله، فهرب إلى الجبل؛ وقال يهجوه:

بكى لشتات الدين مكتئب صب

وفاض بفرط الدمع من عينه غرب

وقام إمام لم يكن ذا هداية

فليس له دين وليس له لب

وما كانت الأنباء تأتي بمثله

يملك يوما أو تدين له العرب

ولكن كما قال الذين تتابعوا

من السلف الماضين إذ عظم الخطب

ملوك بني العباس في الكتب سبعة

ولم تأتنا عن ثامن لهم كتب

كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة

خيار إذا عدوا وثامنهم كلب

وإني لأعلي كلبهم عنك رفعة

لأنك ذو ذنب وليس له ذنب

لقد ضاع ملك الناس إذ ساس ملكهم

وصيف وأشناس وقد عظم الكرب

وفضل بن مروان يثلم ثلمة

يظل لها الإسلام ليس له شعب

لما مات المعتصم قال محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه:

قد قلت إذ غيبوه وانصرفوا

في خير قبر لخير مدفون

لن يجبر الله أمة فقدت

مثلك إلا بمثل هارون

فقال دعبل يعارضه:

قد قلت إذ غيبوه وانصرفوا

في شر قبر لشر مدفون

اذهب إلى النار والعذاب فما

خلقك إلا من الشياطين

ما زلت حتى عقدت بيعة من

أضر بالمسلمين والدين

وقال في ذلك وفي قيام الواثق:

الحمد لله لا صبر ولا جلد

ولا عزاء إذا أهل البلا رقدوا

خليفة مات لم يحزن له أحد

وآخر قام لم يفرح به أحد

ولقد أحسن في وصف سفر سافره، فطال ذلك السفر عليه، فقال فيه:

ألم يأن للسفر الذين تحملوا

إلى وطن قبل الممات رجوع

فقلت ولم أملك سوابق عبرة

نطقن بما ضمت عليه ضلوع

تبين فكم دار تفرق شملها

وشمل شتيت عاد وهو جميع

كذاك الليالي صرفهن كما ترى

لكل أناس جدبة وربيع

ثم قال: ما سافرت قط إلا كانت هذه الأبيات نصب عيني في سفري وهجيراي ومسليتي حتى أعود.

ومن قول دعبل وفيه غناء:

سرى طيف ليلى حين آن هبوب

وقضيت شوقا حين كاد يذوب

فلم أر مطروقا يحل برحلة

ولا طارقا يقرى المنى ويثيب

ومن قوله:

لقد عجبت سلمى وذاك عجيب

رأت بي شيبا عجلته خطوب

وما شيبتني كبرة غير أنني

بدهر به رأس الفطيم يشيب

وقال في صالح بن عطية الأضجم، وكان من أقبح الناس وجها، وخاطب فيها المعتصم:

قل للإمام إمام آل محمد

قول امرئ حدب عليك محام

أنكرت أن تفتر عنك صنيعة

في صالح بن عطية الحجام

ليس الصنائع عنده بصنائع

لكنهن طوائل الإسلام

اضرب به جيش العدو فإنه

جيش من الطاعون والبرسام

قال أبو تمام: ما زال دعبل مائلا إلى مسلم بن الوليد مقرا بأستاذيته، حتى ورد عليه بجرجان فجفاه مسلم، وكان فيه بخل، فهجره دعبل وكتب إليه:

أبا مخلد كنا عقيدي مودة

هوانا وقلبانا جميعا معا معا

أحوطك بالغيب الذي أنت حائطي

وأجزع إشفاقا من أن تتوجعا

فصيرتني بعد انتكاثك متهما

لنفسي عليها أرهب الخلق أجمعا

غششت الهوى حتى تداعت أصوله

بنا وابتذلت الوصل حتى تقطعا

وأنزلت من بين الجوانج والحشى

ذخيرة ود طالما قد تمنعا

فلا تلحيني ليس لي فيك مطمع

تخرقت حتى لم أجد لك مرقعا

فهبك يميني استأكلت فقطعتها

وجشمت قلبي صبره فتشجعا

ثم تهاجرا فما التقيا بعد ذلك.

أجرى الرشيد على دعبل رزقا سنيا، فكان أول من حرضه على قول الشعر. فوالله ما بلغه أن الرشيد مات حتى كافأه على فعله من العطاء السني والغنى بعد الفقر والرفعة بعد الخمول بأقبح مكافأة، وقال فيه يهجوه من قصيدة مدح بها أهل البيت عليهم السلام:

وليس حي من الأحياء نعلمه

من ذي يمان ومن بكر ومن مضر

إلا وهم شركاء في دمائهم

كما تشارك أيسار على جزر

قتل وأسر وتحريق ومنهبة

فعل الغزاة بأرض الروم والخزر

أرى أمية معذورين إن قتلوا

ولا أرى لبني العباس من عذر

اربع بطوس على القبر الزكي إذا

ما كنت تربع من دين على وطر

قبران في طوس خير الناس كلهم

وقبر شرهم هذا من العبر

ما ينفع الرجس من قرب الزكي ولا

على الزكي بقرب الرجس من ضرر

هيهات، كل امرئ رهن بما كسبت

له يداه فخذ ما شئت أو فذر

استدعى بعض بني هاشم دعبلا وهو يتولى للمعتصم ناحية من نواحي الشام، فقصده إليها فلم يقع منه بحسن ظن وجفاه، فكتب إليه دعبل:

عصر المأمون · الصفحة ٤٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٦٣