كان دعبل يختلف إلى الفضل بن العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث، وهو خرجه وفهمه وأدبه، فظهر له منه جفاء وبلغه أنه يعيبه ويذكره وينال منه، فقال يهجوه:
يا بؤس للفضل لو لم يأت ما عابه
يستفرغ السم من صماء قرضابه
ما إن يزال وفيه العيب يجمعه
جهلا لأعراض أهل المجد عيابه
إن عابني لم يعب إلا مؤدبه
ونفسه عاب لما عاب أدابه
فكان كالكلب ضراه مكلبه
لغيره فعدا فاصطاد كلابه
كان دعبل يقول: ما كانت لأحد قط عندي منة إلا تمنيت موته.
كتب دعبل إلى أبي نهشل بن حميد الطوسي قوله:
إنما العيش في منادمة الإخوا
ن لا في الجلوس عند الكعاب
وبصرف كأنها ألسن البر
ق إذا استعرضت رقيق السحاب
إن تكونوا تركتم لذة العي
ش حذار العقاب يوم العقاب
فدعوني وما ألذ وأهوى
وادفعوا بي في صدر يوم الحساب
قال محمد بن زكريا الفرغاني: سمعت دعبلا يقول في كلام جرى «ليسك» فأنكرته عليه؛ فقال: دخل زيد الخيل على النبي
صلى الله عليه وسلم
فقال له: «يا زيد ما وصف لي رجل إلا رأيته دون وصفه ليسك.» يريد غيرك.
قال عمرو بن مسعدة: حضرت أبا دلف عند المأمون وقد قال له المأمون: أي شيء تروي لأخي خزاعة يا قاسم؟ فقال: وأي أخي خزاعة يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن تعرف فيهم شاعرا؟ فقال: أما من أنفسهم فأبو الشيص ودعبل وابن أبي الشيص وداود بن أبي رزين، وأما من مواليهم فطاهر وابنه عبد الله. فقال: ومن عسى من هؤلاء أن يسأل عن شعره سوى دعبل! هات أي شيء عندك فيه؛ فقال: وأي شيء أقول في رجل لم يسلم عليه أهل بيته حتى هجاهم، فقرن إحسانهم بالإساءة وبذلهم بالمنع وجودهم بالبخل، حتى جعل كل حسنة منهم بإزاء سيئة منه! قال: حين يقول ماذا؟ قال: حين يقول في المطلب بن عبد الله بن مالك، وهو أصدق الناس له وأقربهم منه، وقد وفد إليه إلى مصر فأعطاه الجزيل وولاه، ولم يمنعه ذلك أن قال فيه:
اضرب ندى طلحة الطلحات متئدا
بلؤم مطلب فينا وكن حكما
تخرج خزاعة من لؤم ومن كرم
فلا تحس لها لؤما ولا كرما
فقال المأمون: قاتله الله! ما أغوصه وألطفه وأدهاه! وجعل يضحك. ثم دخل عبد الله بن طاهر فقال: أي شيء تحفظ يا عبد الله لدعبل؟ فقال: أحفظ أبياتا له في أهل بيت أمير المؤمنين. قال: هاتها ويحك! فأنشده:
سقيا ورعيا لأيام الصبابات
أيام أرفل في أثواب لذاتي
أيام غصني رطيب من ليانته
أصبو إلى غير جارات وكنات
دع عنك ذكر زمان فات مطلبه
واقذف برحلك عن متن الجهالات
واقصد بكل مديح أنت قائله
نحو الهداة بني بيت الكرامات
فقال المأمون: إنه قد وجد والله مقالا فقال، ونال ببعيد ذكرهم ما لا يناله في وصف غيرهم.
ومن قول دعبل وفيه غناء:
أين الشباب وأية سلكا
لا أين يطلب ضل من هلكا
لا تعجبي يا سلم من رجل
ضحك المشيب برأسه فبكى
يا ليت شعري كيف يومكما
يا صاحبي إذا دمي سفكا
لا تأخذوا بظلامتي أحدا
قلبي وطرفي في دمي اشتركا
قال إبراهيم بن المدبر: لقيت دعبل بن علي فقلت له: أنت أجسر الناس عندي وأقدمهم حيث تقول:
إني من القوم الذين سيوفهم
قتلت أخاك وشرفتك بمقعد
رفعوا محلك بعد طول خموله
واستنقذوك من الحضيض الأوهد
وأولها:
أخذ المشيب من الشباب الأغيد
والنائبات من الأنام بمرصد
فقال: يا أبا اسحاق، أنا أحمل خشبتي منذ أربعين سنة، فلا أجد من يصلبني عليها.
كان دعبل يخرج فيغيب سنين يدور الدنيا كلها ويرجع وقد أفاد وأثرى، وكانت الشراة والصعاليك يلقونه فلا يؤذونه ويؤاكلونه ويشاربونه ويبرون به، وكان إذا لقيهم وضع طعامه وشرابه ودعاهم إليه ودعا بغلاميه: نفنف وشعف، وكانا مغنيين، فأقعدهما يغنيان وسقاهم وشرب معهم وأنشدهم، فكانوا قد عرفوه وألفوه لكثرة أسفاره، وكانوا يواصلونه ويصلونه. وأنشد دعبل لنفسه في بعد أسفاره:
حللت محلا يقصر البرق دونه
ويعجز عنه الطيف أن يتجشما
قال البحتري: دعبل بن علي أشعر عندي من مسلم بن الوليد؛ لأن كلام دعبل أدخل في كلام العرب من كلام مسلم، ومذهبه أشبه بمذاهبهم؛ وكان يتعصب له.