تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال إبراهيم بن المهدي للمأمون قولا في دعبل يحرضه عليه؛ فضحك المأمون وقال: إنما تحرضني عليه لقوله فيك:

يا معشر الأجناد لا تقنطوا

وارضوا بما كان ولا تسخطوا

فسوف تعطون حنينية

86

يلتذها الأمرد والأشمط

والمعبديات

87

لقوادكم

لا تدخل الكيس ولا تربط

وهكذا يرزق قواده

خليفة مصحفه البربط

قد ختم الصك بأرزاقكم

وصحح العزم فلا تسخطوا

بيعة إبراهيم مشئومة

يقتل فيها الخلق أو يقحطوا

فقال له إبراهيم: فقد والله هجاك أنت يا أمير المؤمنين. فقال: دع هذا عنك، فقد عفوت عنه في هجائه إياي لقوله هذا! وضحك. ثم دخل أبو عباد، فلما رآه المأمون من بعد قال لإبراهيم: دعبل يجسر على أبي عباد في الهجاء ويحجم عن أحد! فقال له: وكأن أبا عباد أبسط يدا منك يا أمير المؤمنين! قال: لا! ولكنه حديد جاهل لا يؤمن، وأنا أحلم وأصفح، والله ما رأيت أبا عباد مقبلا إلا أضحكني قول دعبل فيه:

أولى الأمور بضيعة وفساد

أمر يدبره أبو عباد

خرق على جلسائه فكأنهم

حضروا لملحمة ويوم جلاد

يسطو على كتابه بدواته

فمضمخ بدم ونضح مداد

وكأنه من دير هرقل مفلت

حرد يجر سلاسل الأقياد

فاشدد أمير المؤمنين وثاقه

فأصح منه بقية الحداد

وكان «بقية» هذا مجنونا في البيمارستان.

قال أبو خالد الخزاعي لدعبل: ويحك! قد هجوت الخلفاء والوزراء والقواد ووترت الناس جميعا، فأنت دهرك كله شريد طريد هارب خائف، فلو كففت عن هذا وصرفت هذا الشر عن نفسك! فقال: ويحك! إني تأملت ما تقول فوجدت أكثر الناس لا ينتفع بهم إلا على الرهبة، ولا يبالي الشاعر وإن كان مجيدا إذا لم يخف شره، ولمن يتقيك على عرضه أكثر ممن يرغب إليك في تشريفه، وعيوب الناس أكثر من محاسنهم، وليس كل من شرفته شرف، ولا كل من وصفته بالجود والمجد والشجاعة ولم يكن ذلك فيه انتفع بقولك، فإذا رآك أوجعت عرض غيره وفضحته اتقاك وخاف من مثل ما جرى على الآخر، ويحك يا أبا خالد! إن الهجاء المقذع آخذ بضبع الشاعر من المديح المضرع ! فضحك أبو خالد وقال: هذا والله مقال من لا يموت حتف أنفه.

كان سبب خروج دعبل من الكوفة أنه كان يتشطر ويصحب الشطار، فخرج هو ورجل من أشجع فيما بين العشاء والعتمة، فجلسا على طريق رجل من الصيارفة، وكان يروح كل ليلة بكيسه إلى منزله، فلما طلع مقبلا إليهما وثبا إليه فجرحاه وأخذا ما في كمه، فإذا هي ثلاث رمانات في خرقة، ولم يكن كيسه ليلتئذ معه، ومات الرجل مكانه، واستتر دعبل وصاحبه، وجد أولياء الرجل في طلبهما وجد السلطان في ذلك، فطال على دعبل الاستتار فاضطر إلى أن هرب من الكوفة، فما دخلها حتى لم يبق من أولياء الرجل أحد.

قال أحمد بن خالد: كنا يوما بدار صالح بن علي من عبد القيس ببغداد ومعنا جماعة من أصحابنا، فسقط على سطح البيت ديك طار من دار دعبل، فلما رأيناه قلنا: هذا صيدنا، فأخذناه، فقال صالح: ما نصنع به؟ قلنا: نذبحه. فذبحناه وشويناه، وخرج دعبل فسأل عن الديك فعرف أنه سقط في دار صالح، فطلبه منا فجحدناه وشربنا يومنا، فلما كان من الغد خرج دعبل فصلى الغداة ثم جلس على باب المسجد - وكان ذلك المسجد مجمع الناس يجتمع فيه جماعة من العلماء وينتابهم الناس - فجلس دعبل على باب المسجد وقال:

أسر المؤذن صالح وضيوفه

أسر الكمي هفا خلال المأقط

بعثوا عليه بنيهم وبناتهم

من بين ناتفة وآخر سامط

يتنازعون كأنهم قد أوثقوا

خاقان أو هزموا قبائل ناعط

88

نهشوه فانتزعت له أسنانهم

وتهشمت أقفاؤهم بالحائط

فكتبها الناس عنه ومضوا؛ فقال لي أبي، وقد رجع إلى البيت: ويحكم! ضاقت عليكم المآكل فلم تجدوا شيئا تأكلونه سوى ديك دعبل! ثم أنشدنا الشعر، وقال: لا تدع ديكا ولا دجاجة تقدر عليه إلا اشتريته وبعثت به إلى دعبل وإلا وقعنا في لسانه! ففعلت ذلك.

قال أحمد بن أبي كامل: كان دعبل ينشدني كثيرا هجاء له، فأقول له: فيمن هذا؟ فيقول: ما استحقه أحد بعينه بعد، وليس له صاحب، فإذا وجد على رجل جعل ذلك الشعر فيه وذكر اسمه في الشعر.

عصر المأمون · الصفحة ٤٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٦١