80
فاشتبه على المأمون قوله، فنظر إلى إسحاق مستفهما، فأومأ إليه وغمزه على معناه حتى فهم، فقال: يا غلام، ألف دينار! فأتى بذلك، فوضع بين يدي العتابي وأخذوا في الحديث، وغمز المأمون إسحاق بن إبراهيم عليه، فجعل العتابي لا يأخذ في شيء إلا عارضه إسحاق، فبقى العتابي متعجبا، ثم قال: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في سؤال هذا الشيخ عن اسمه؟ قال: نعم سل. فقال لإسحاق: يا شيخ، من أنت وما اسمك؟ قال: أنا من الناس واسمي كل بصل. فتبسم العتابي وقال: أما أنت فمعروف وأما الاسم فمنكر. فقال إسحاق: ما أقل إنصافك! أتنكر أن يكون اسمي كل بصل، واسمك كلثوم، وكلثوم من الأسماء، أو ليس البصل أطيب من الثوم؟ فقال له العتابي: لله درك! فما أحجك، أتأذن لي يا أمير المؤمنين في أن أصله بما وصلتني به؟ فقال المأمون: بل ذلك موفر عليك ونأمر له بمثله. فقال له إسحاق: أما إذ أقررت بهذه فتوهمني تجدني. فقال: ما أظنك إلا إسحاق الموصلي الذي يتناهى إلينا خبره. قال: أنا حيث ظننت. وأقبل عليه بالتحية والسلام، فقال المأمون - وقد طال الحديث بينهما: أما إذ قد اتفقتما على المودة فانصرفا متنادمين. فانصرف العتابي إلى منزل إسحاق فأقام عنده.
قال عثمان الوراق: رأيت العتابي يأكل خبزا على الطريق بباب الشام، فقلت له: ويحك! أما تستحي؟ فقال لي: أرأيت لو كنا في دار بها بقر كنت تستحي وتحتشم أن تأكل وهي تراك؟ فقال: لا! قال: فاصبر حتى أعلمك أنهم بقر! فقام فوعظ وقص ودعا حتى كثر الزحام عليه ثم قال لهم: روى لنا غير واحد أنه من بلغ لسانه أرنبة أنفه لم يدخل النار! فما بقي أحد إلا أخرج لسانه يومئ به نحو أرنبة أنفه ويقدره حتى يبلغها أم لا، فلما تفرقوا قال لي العتابي: ألم أخبرك أنهم بقر؟
قال الفضل: رأيت العتابي بين يدي المأمون وقد أسن، فلما أراد القيام قام المأمون فأخذ بيده واعتمد الشيخ على المأمون، فما زال المأمون ينهضه رويدا رويدا حتى أقله فنهض.
وكتب كلثوم بن عمرو العتابي إلى صديق له يستجديه:
أما بعد - أطال الله بقاءك وجعله يمتد بك إلى رضوانه والجنة - فإنك كنت عندنا روضة من رياض الكرم، تبتهج النفوس بها، وتستريح القلوب إليها؛ وكنا نعفيها من النجعة
81
استتماما لزهرتها، وشفقة على خضرتها، وادخارا لثمرتها، حتى أصابتنا سنة كانت عندي قطعة من سني يوسف اشتد علينا كلبها،
82
وغابت قطتها، وكذبتنا غيومها، وأخلفتنا بروقها، وفقدنا صالح الإخوان فيها، فانتجعتك. وأنا بانتجاعي إياك شديد الشفقة عليك، مع علمي بأنك موضع الرائد،
83
وأنك تغطي عين الحاسد. والله يعلم أني ما أعدك إلا في حومة
84
الأهل. واعلم أن الكريم إذا استحيا من إعطاء القليل ولم يمكنه الكثير، لم يعرف جوده ولم تظهر همته. وأنا أقول في ذلك:
إذا تكرمت عن بذل القليل ولم
تقدر على سعة لم يظهر الجود
بث النوال ولا تمنعك قلته
فكل ما سد فقرا فهو محمود
قيل فشاطره جميع ماله. (3) دعبل
85
شاعر متقدم مطبوع هجاء خبيث اللسان، لم يسلم منه أحد من الخلفاء ولا من وزرائهم ولا أولادهم ولا ذو نباهة أحسن إليه أم لم يحسن، ولا أفلت منه كبير أو صغير.
وكان دعبل من الشيعة المشهورين بالميل إلى علي صلوات الله عليه. وقصيدته: «مدارس آيات خلت من تلاوة» من أحسن الشعر وفاخر المدائح المقولة في أهل البيت عليهم السلام، وقصد بها أبا علي بن موسى الرضا بخراسان، فأعطاه عشرة آلاف درهم من الدراهم المضروبة باسمه، وخلع عليه خلعة من ثيابه، فأعطاه بها أهل قم ثلاثين ألف درهم، فلم يبعها فقطعوا عليه الطريق فأخذوها؛ فقال لهم: إنها إنما تراد لله عز وجل وهي محرمة عليكم. فدفعوا إليه ثلاثين ألف درهم، فحلف ألا يبيعها أو يعطوه بعضها ليكون في كفنه، فأعطوه فرد كم، فكان من أكفانه.