وكفاك من ماء الندى تكفان
وتجعلني سهم المطامع بعد ما
بللت يميني بالندى ولساني
فأعجب الرشيد قوله، وخرج وعليه الخلع، وقد أمر له بجائزة.
كلم العتابي يحيى بن خالد في حاجة بكلمات قليلة، فقال له يحيى: لقد نزر كلامك اليوم وقل. فقال له: وكيف لا يقل وقد تكنفني ذل المسألة وحيرة الطلب وخوف الرد؟ فقال: والله لئن قل كلامك لقد كثرت فوائده، وقضى حاجته.
قال يحيى بن خالد البرمكي لولده: إن قدرتم أن تكتبوا أنفاس كلثوم بن عمرو العتابي فضلا عن رسائله وشعره، فلن تروا أبدا مثله.
وقف العتابي بباب المأمون يلتمس الوصول إليه، فصادف يحيى بن أكثم جالسا ينتظر الإذن، فقال له: إن رأيت - أعزك الله - أن تذكر أمري لأمير المؤمنين إذا دخلت فافعل. قال له: لست - أعزك الله - بحاجبه. قال: فإن لم تكن حاجبا فقد يفعل مثلك ما سألت، واعلم أن الله عز وجل جعل في كل شيء زكاة، وجعل زكاة المال رفد المستعين، وزكاة الجاه إغاثة المهلوف؛ واعلم أن الله عز وجل مقبل عليك بالزيادة إن شكرت، أو التغيير إن كفرت. وإني لك اليوم أصلح منك لنفسك، لأني أدعوك إلى ازدياد نعمتك وأنت تأبى. فقال له يحيى: أفعل وكرامة. وخرج الإذن ليحيى، فلما دخل لم يبدأ بشيء بعد السلام إلا أن استأذن المأمون للعتابي، فأذن له.
وقيل له: لو تزوجت! فقال: إني وجدت مكابدة العفة أيسر علي من الاحتيال لمصلحة العيال.
قال دعبل: ما حسدت أحدا قط على شعر كما حسدت العتابي على قوله:
هيبة الإخوان قاطعة
لأخي الحاجات عن طلبه
فإذا ما هبت ذا أمل
مات ما أملت من سببه
كان العتابي جالسا ذات يوم ينظر في كتاب، فمر به بعض جيرانه، فقال: أيش ينفع العلم والأدب من لا مال له؟ فأنشد العتابي قوله:
يا قاتل الله أقواما إذا ثقفوا
ذا اللب ينظر في الآداب والحكم
قالوا: وليس بهم إلا نفاسته
79
أنافع ذا من الإقتار والعدم
وليس يدرون ما الحظ الذي حرموا - لحاهم الله - من علم ومن فهم
ومن قوله أيضا:
لئن كانت الدنيا أنالتك ثروة
فأصبحت ذا يسر وقد كنت ذا عسر
لقد كشف الإثراء منك مخازيا
من اللؤم كانت تحت ستر من الفقر
وقال أيضا:
رحل الرجاء إليك مغتربا
حشدت عليه نوائب الدهر
ردت إليك ندامتي أملي
وثنا إليك عنانه شكري
وجعلت عتبك عتب موعظة
ورجاء عفوك منتهى أملي
لما سعى منصور النمري بالعتابي إلى الرشيد اغتاظ عليه فطلبه، فستره جعفر بن يحيى عنه مدة وجعل يستعطفه عليه حتى استل ما في نفسه وأمنه، فقال يمدح جعفر بن يحيى:
ما زلت في غمرات الموت مطرحا
قد ضاق عني فسيح الأرض من حيلي
ولم تزل دائبا تسعى بلطفك لي
حتى اختلست حياتي من يدي أجلي
عاد عبد الله بن طاهر وإسحاق بن إبراهيم بن مصعب كلثوم بن عمرو العتابي في علة اعتلها، فقال الناس: هذه خطرة خطرت. فبلغ ذلك العتابي، فكتب إلى عبد الله بن طاهر:
قالوا الزيارة خطرة خطرت
وبحار برك ليس بالخطر
أبطل مقالتهم بثانية
تستنفد المعروف من شكري
فلما بلغت أبياته عبد الله بن طاهر ضحك من قوله وركب هو وإسحاق فعاداه مرة ثانية.
كانت له امرأة من باهلة، فلما مضى إلى رأس عين قالت له: هذا منصور النمري، قد أخذ الأموال فحلى نساءه وبنى داره واشترى ضياعا وأنت ههنا كما ترى! فأنشأ يقول:
تلوم على ترك الغنى باهلية
ذوى الفقر عنها كل طرف وتالد
رأت حولها النسوان يرفلن في الثرى
مقلدة أعناقها بالقلائد
أسرك أني نلت ما نال جعفر
من العيش أو ما نال يحيى بن خالد
وأن أمير المؤمنين أغصني
مغصهما بالمرهفات البوارد
رأيت رفيعات الأمور مشوبة
بمستودعات في بطون الأساود
دعيني تجئني ميتتي مطمئنة
ولم أتجشم هول تلك الموارد
لما قدم العتابي مدينة السلام على المأمون أذن له، فدخل عليه وعنده إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وكان العتابي شيخا جليلا نبيلا، فسلم فرد عليه وأدناه وقربه حتى قرب منه، فقبل يده ، ثم أمره بالجلوس فجلس، وأقبل عليه يسائله عن حاله وهو يجيبه بلسان ذلق طلق، فاستظرف المأمون ذلك وأقبل عليه بالمداعبة والمزاح، فظن الشيخ أنه استخف به، فقال: يا أمير المؤمنين، الإيناس قبل الإبساس.