وكل رفد نالهم من رفده
يظل مولاه له كعبده
يبيت أدنى صاحب من مهده
وإن عرى جلله ببرده
ذا غرة محجلا بزنده
تلذ منه العين حسن قده
يا حسن شدقيه وطول قده
تلقى الظباء عنتا من طرده
يشرب كأسا شدها من شده
يا لك من كلب نسيج وحده
أبو نواس وجنان
قال أبو الفرج: كانت جنان هذه جارية آل عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وكانت حلوة جميلة المنظر أديبة، ويقال: إن أبا نواس لم يصدق في حب امرأة غيرها، وقيل له يوما إن جنان قد عزمت على الحج، فكان هذا سبب حجه وقال: أما والله لا يفوتني المسير معها والحج عامي هذا إن أقامت على عزيمتها! وقال وقد حج وعاد:
ألم تر أنني أفنيت عمري
بمطلبها ومطلبها عسير
فلما لم أجد سببا إليها
يقربني وأعيتني الأمور
حججت وقلت قد حجت جنان
فيجمعني وإياها المسير
قال من شهده حين حج مع جنان وقد أحرم: لما جنه الليل جعل يلبي بشعر ويحدو به ويطرب، فغنى به كل من سمعه وهو قوله:
إلهنا ما أعدلك
مليك كل من ملك
لبيك قد لبيت لك
لبيك إن الحمد لك
والملك لا شريك لك
والليل لما أن حلك
والسابحات في الفلك
على مجاري المنسلك
ما خاب عبد أملك
أنت له حيث سلك
لولاك يا رب هلك
كل نبي وملك
وكل من أهل لك
سبح أو لبى فلك
يا مخطئا ما أغفلك
عجل وبادر أجلك
واختم بخير عملك
لبيك إن الملك لك
والحمد والنعمة لك
والعز لا شريك لك
وفيها يقول:
جفن عيني قد كان يس
قط من طول ما اختلج
وفؤادي من حر حب
ك والهجر قد نضج
خبريني فدتك نف
سي وأهلي متى الفرج
كان ميعادنا خرو
ج زياد فقد خرج
أنت من قتل عائذ
بك في أضيق الحرج
قال الأصفهاني: قال محمد بن إبراهيم بن كثير الصوفي: دخلنا على أبي نواس نعوده في علته التي مات فيها، فقال له علي بن صالح الهاشمي: يا أبا علي، أنت في أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا، وبينك وبين الله عز وجل هنات، فتب إلى الله عز وجل. فبكى ساعة ثم قال: ساندوني ساندوني! ثم قال: أأخوف بالله عز وجل وقد حدثني حماد بن مسلم عن زيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : «لكل نبي شفاعة، وإني اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة.» أفتراني لا أكون منهم؟
ومن قوله في مرض موته:
دب في السقام علوا وسفلا
وأراني أموت عضوا فعضوا
ليس تمضي من لحظة بي إلا
نقصتني بمرها في جزوا
ذهبت جدتي بحاجة نفسي
وتطلبت طاعة الله نضوا
لهف نفسي على ليل وأيا
م تجاوزتهن لعبا ولهوا
قد أسأنا كل الإساءة فالل
هم صفحا عنا وغفرا وعفوا
ثم قال:
شعر حي أتاك من لفظ ميت
صار بين الحياة والموت وقفا
قد برت جسمه الحوادث حتى
كاد عن عين الخلائق يخفى
لو تأملتني لتبصر وجهي
لم تبن من كتاب وجهي حرفا
ولكررت طرف عينيك فيمن
قد براه السقام حتى تعفى
وكان عمر أبي نواس تسعا وخمسين سنة، وكانت وفاته قبل دخول المأمون مدينة السلام بست سنين (سنة 198). (2) العتابي
77
قال أحمد بن سهل: تذاكرنا شعر العتابى فقال بعضنا: فيه تكلف، ونصره بعضنا، فقال: شيخ حاضر: ويحكم! أيقال إن في شعره تكلفا وهو القائل:
رسل الضمير إليك تترى
بالشوق ظالعة وحسرى
متزجيات
78
ما يني
ن على الوجا من بعد مسرى
ما جف للعينين بع
دك يا قرير العين مجرى
فاسلم سلمت مبرأ
من صبوتي أبدا معرى
إن الصبابة لم تدع
مني سوى عظم مبرى
ومدامع عبرى على
كبد عليك الدهر حرى
أو يقال إنه متكلف وهو الذي يقول:
فلو كان للشكر شخص يبين
إذا ما تأمله الناظر
لمثلته لك حتى تراه
لتعلم أني امرؤ شاكر
وجد الرشيد على العتابي فدخل سرا مع المتظلمين بغير إذن، فمثل بين يدي الرشيد وقال له: يا أمير المؤمنين، قد آذتني الناس لك ولنفسي فيك، وردني ابتلاؤهم إلى شكرك، وما مع تذكرك قناعة بغيرك، ولنعم الصائن لنفسي كنت لو أعانني عليك الصبر، وفي ذلك أقول:
أخضني المقام الغمر إن كان غرني
سنا خلب أو زلت القدمان
أتتركني جدب المعيشة مقترا