تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إ شفى فجاءت كأنها لهب

فاستوسق الشرب للندام وأج

راها علينا اللجين والغرب

72

أقول لما تحاكيا شبها

أيهما للتشابه الذهب

هما سواء وفرق بينهما

أنهما جامد ومنسكب

ملس وأمثالها محفرة

صور فيها القسوس والصلب

يتلون إنجيلهم وفوقهم

سماء خمر نجومها حبب

كأنها لؤلؤ تبدده

أيدي عذارى أفضى بها اللعب

ومن جيد شعره قوله لما منعه الأمين من شرب الخمر، وذلك أن المأمون أمر الخطباء بخراسان أن يعيبوا الأمين بشعر أبي نواس ويقولوا هو جليسه ونديمه وينشدوا على المنابر شعره، فمنعه الأمين فقال:

غننا بالطلول كيف بلينا

واسقنا نعطك الثناء الثمينا

من سلاف كأنه كل طيب

يتمنى مخبر أن يكونا

أكل الدهر ما تجسم منها

وتبقى لبابها المكنونا

ثم شجت فاستضحكت عن لآل

لو تجمعن في يد لاقتنينا

وإذا ما لمستها فهباء

تمنع الكف ما تبيح العيونا

في كئوس كأنهن نجوم

جاريات بروجها أيدينا

طالعات من السقاة علينا

فإذا ما غربن يغربن فينا

لو ترى الشرب حولها من بعيد

قلت قوم من قرة يصطلونا

وغزال يديرها ببنان

ناعمات يزيدها العسر لينا

ذاك عيش لو دام لي غير أني

عفته مكرها وخفت الأمينا

أدر الكأس حان أن تسقينا

وانقر العود إنه يلهينا

ودع الذكر للطلول إذا ما

دارت الكأس يسرة ويمينا

ومن قول أبي نواس يمدح العباس بن عبد الله بن جعفر بن أبي جعفر:

غرد الديك الصدوح

فاسقني طاب الصبوح

اسقني حتى تراني

حسنا عندي القبيح

قهوة تذكر نوحا

حين شاد الفلك نوح

نحن نخفيها ويأبى

طيب عرف فيفوح

فكأن القوم نهبى

بينهم مسك ذبيح

أنا في دنيا من العب

باس أغدو وأروح

هاشمي عبد لي

عنده يغلو المديح

علم الجود كتاب

بين عينيه يلوح

كل جو يا أميري

ما خلا جودك ريح

إنما أنت عطايا

أبدا ما تستريح

بح صوت المال مما

منك يشكو ويصيح

ما لهذا أحد فو

ق يديه أو نصيح

جدت بالأموال حتى

قيل ما هذا صحيح

فهو بالمال جواد

وهو بالعرض شحيح

صور الجود مثالا

وله العباس روح

قال محمد بن عيينة: لقيت أبا نواس بعسكر مكرم فقلت له: أحب أن تنشدني من شعرك شيئا تضن به على غيري، فأنشدني:

يكفي الكريم من الكلا

م لمن يحادثه أقله

والشيء شيء لم يزل

بأدقه يأتي أجله

إن لم يصبك من الكري

م الحر وابله فطله

يبدي مكارمه كما

يبدي فرند السيف سله

والنذل يوقع نفسه

متعمدا فيما يذله

والحر يكرم نفسه

بالصفح عمن لا يجله

وقال أبو نواس يمدح الأمين:

صببت على الأمين ثياب مدحي

فكل الناس حسن واستجادا

ولولا فضله ما جاد شعري

ولا أعطتني الفطن القيادا

وقالوا قد أجدت فقلت إني

وجدت القول يمكنني فجادا

ومن خمرياته:

ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا

وأمله ديك الصباح صياحا

أوفى على شرف الجدار بسدفة

غردا يصفق بالجناح جناحا

فأدر صباحك بالصبوح ولا تكن

كمسوفين غدوا عليك شحاحا

إن الصبوح جلاء كل مخمر

بدرت يداه بكأسه الإصباحا

وخدين لذات معلل صاحب

تقتات منه فكاهة ومزاحا

نبهته والليل ملتبس به

وأزحت عنه نعاسه فانزاحا

قال ابغني المصباح، قلت له اتئد

حسبي وحسبك ضوءها مصباحا

فسكبت منها في الزجاجة شربة

كانت له حتى الصباح صباحا

من قهوة جاءتك قبل مزاجها

عطلا فألبسها المزاج وشاحا

شك البزال فؤادها فكأنها

أهدت إليك بريحها تفاحا

صفراء تفترس النفوس فلا ترى

منها بهن سوى السبات جراحا

ومنها:

لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند

واشرب على الورد من حمراء كالورد

كأسا إذا انحدرت في حلق شاربها

أجدته حمرتها في العين والخد

فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة

من كف لؤلؤة ممشوقة القد

تسقيك من طرفها خمرا ومن يدها

خمرا فما لك من سكرين من بد

لي نشوتان وللندمان واحدة

شيء خصصت به من دونهم وحدي

كان الأصمعي يفضل أبا نواس على شعراء زمانه بهذه القصيدة:

أما ترى الشمس حلت الحملا

وطاب وقت الزمان واعتدلا

وغنت الطير بعد عجمتها

واستوفت الخمر حولها كملا

واكتست الأرض من زخارفها

وشي ثياب تخاله حللا

فاشرب على جدة الزمان فقد

أصبح وجه الزمان مقتبلا

عصر المأمون · الصفحة ٤٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٥٦