تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال رزين الكاتب: اجتمعنا يوما أنا وأبو نواس وعلي بن الخليل في سوق الكرخ، وكنا نجتمع ونتناشد الأشعار ونتذاكر الأخبار ونتحدث بها؛ فقال أبو نواس: أدبر من كان في نفسي وكان أسرع الخلق في طاعتي، فما أدري ما أحتال له! فقال علي بن الخليل يمازحه: يا أبا علي، سل شيخك وأستاذك يعطفه عليك؛ فقال له أبو نواس: من تعني؟ قال: من أنت في طاعته ليلك ونهارك (يعني إبليس)، فإن لم يقض لك هذه الحاجة، فما ينبغي لك أن تسأله مسألة ولا أن تقر عينه بمعصية. فقال: هو أسد لرأيه من أن يخل بي أو يخذلني. وانقضى مجلسنا ذلك. فلما كان بعد أيام اجتمعنا في ذلك الموضع، وأخذنا في أحاديثنا، فضحك أبو نواس؛ فقلنا له: ما أضحكك؟ فقال: ذكرت قول علي بن الخليل يومئذ: سل شيخك يعطفه عليك. حينئذ قد سألته يا أبا الحسن فقضى الحاجة، وما مضت والله ثالثة حتى أتاني من غير أن أبعث إليه ومن غير أن أستزيره، فعاتبني واسترضاني، وكان الغضب منه والتجني، وأحسب الشيخ (يعني إبليس) كان يتسمع علينا في وقت كلامنا؛ وقد قلت أبياتا في ذلك. فقلنا: هاتها. فأنشد:

لما جفاني الحبيب وامتنعت

عني الرسالات منه والخبر

واشتد شوقي فكاد يقتلني

ذكر حبيبي والهم والفكر

دعوت إبليس ثم قلت له

في خلوة والدموع تنحدر:

أما ترى كيف قد بليت وقد

أقرح جفني البكاء والسهر؟

إن أنت لم تلق لي المودة في

صدر حبيبي وأنت مقتدر

لا قلت شعرا ولا سمعت غنا

ولا جرى في مفاصلي السكر

ولا آزال القرآن أدرسه

أروح في درسه وأبتكر

وألزم الصوم والصلاة ولا

أزال دهري بالخير آتمر

فما مضت بعد ذاك ثالثة

حتى أتاني الحبيب يعتذر

ويطلب الود والوصال على

أفضل ما كان قبل يهتجر

فيا لها منة لقد عظمت

عندي لإبليس ما لها خطر

لما قدم أبو نواس على الخصيب

55

بمصر أذن له وعنده جماعة من الشعراء فاستنشده، فقال له: هنا جماعة من الشعراء هم أقدم مني وأسن، فأذن لهم في الإنشاد، فإن كان شعري نظير أشعارهم أنشدت وإلا أمسكت؛ فاستنشدهم الخصيب، فأنشدوا مديحا في الخصيب، فلم تكن أشعارهم مقاربة لشعر أبي نواس؛ فتبسم أبو نواس ثم قال: أنشدك أيها الأمير قصيدة هي بمنزلة عصا موسى لتلقف ما يأفكون؟ قال هات. فأنشده قصيدته التي أولها:

أجارة بيتينا أبوك غيور

وميسور ما يرجى لديك عسير

حتى أتى على آخرها، فانفض الشعراء من حوله.

ويقال: إن أبا نواس كان خرج إلى مصر في زي الشطار

56

وتقطيعهم بطرة قد صففها وكمين واسعين وذيل مجرور ونعل مطبق، وكان خروجه مع سليمان بن أبي سهل؛ فلما دخل على الخصيب بهذه الصورة ازدراه واستخف به، وكان تورد عليه كتب الجلة ممن بباب السلطان، ووردت كتب أبي نواس فيها فقرأها ولم يستنشده، فانصرف مهموما. وجاءه أهل الأدب فاستمعوا شعره وكتبوه وأنشدوه للخصيب؛ فاستحضره فأنشده:

أجارة بيتينا أبوك غيور

وميسور ما يرجى لديك عسير

فإن كنت لا خلما

57

ولا أنت زوجة

فلا برحت دوني عليك ستور

وجاورت قوما لا تزاور بينهم

ولا وصل إلا أن يكون نشور

فما أنا بالمشغوف ضربة لازب

ولا كل سلطان علي قدير

وإني لطرف العين بالعين زاجر

فقد كدت لا يخفى علي ضمير

كما نظرت والريح ساكنة لها

عقاب بأرساغ اليدين ندور

58

طوت ليلتين القوت عن ذي ضرورة

أزيغب لم ينبت عليه شكير

59

فأوفت على علياء حين بدا لها

من الشمس قرن والضريب يمور

60

تقلب طرفا في حجاجي مغارة

من الرأس لم يدخل عليه ذرور

61

ولما قال أبو نواس:

تقول التي من بيتها خف مركبي:

عزيز علينا أن نراك تسير

أما دون مصر للغنى متطلب؟

بلى إن أسباب الغنى لكثير

فقلت لها واستعجلتها بوادر

جرت فجرى في جريهن عبير

ذريني أكثر حاسديك برحلة

إلى بلد فيه الخصيب أمير

قال له الخصيب: إذا يكثر حسادها وتبلغ أملها. وأمر له بألف دينار.

وتمامها:

إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا

فأي فتى بعد الخصيب تزور!

عصر المأمون · الصفحة ٤٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٥٤