تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا أذوق المدام إلا شميما

نالني بالملام فيها إمام

لا أرى لي خلافه مستقيما

فاصرفاها إلى سواي فإني

لست إلا على الحديث نديما

كبر حظي منها إذا هي دارت

أن أراها وأن أشم النسيما

فكأني وما أزين منها

قعدي يحسن التحكيما

49

كل عن حمله السلاح إلى الحر

ب فأوصى المطيق ألا يقيما

فتبسم محمد، وقال له: أحسنت! وقام بعض الشعراء فأنشد:

ترقى في فضائله الأمين

وزايله المشاكل والقرين

وأورق زهرة التقوى وعزت

خلافته وصدقت الظنون

تمس منابر الخلفاء منه

يد بخلاف طاعتها المنون

يخاف الخوف صولته ويرجو

نداه الجود فهو له خدين

فقال عدة ممن حضر: قد أوجز وأجاد، أكرم الله أمير المؤمنين! فقال أبو نواس: أشعر منه يا أمير المؤمنين الذي يقول:

ألا يا خير من رأت العيون

نظيرك لا يحس ولا يكون

وفضلك لا يحد ولا يجارى

ولا تحوي حيازته الظنون

فأنت نسيج وحدك لا شبيه

نحاشيه عليك ولا خدين

خلقت بلا مشاكلة لشيء

فأنت الفوق والثقلان دون

كأن الملك لم يك قبل شيئا

إلى أن قام بالملك الأمين

قال: ففضله محمد وأحسن جائزته. ويقال: إنه قالها بديها.

ثم نهض محمد من مجلسه ذلك، فركب الحراقة إلى الشماسية، واصطفت له الخيل وعليها الرجال على شاطئ دجلة، وحملت معه المطابح والخزائن. وكان ركوبه حراقة

50

على مثال الأسد. فما رأى الناس منظرا كان أبهى ولا مسيرا كان أحسن من ذلك المنظر والمسير. وركب أبو نواس معه يومئذ وهو ينادمه، فقال:

سخر الله للأمين مطايا

لم تسخر لصاحب المحراب

51

فإذا ما ركابه سرن بحرا

سار في الماء راكبا ليث غاب

أسدا باسطا ذراعيه يعدو

أهرت الشدق

52

كالح الأنياب

لا يعانيه باللجام ولا السو

ط ولا غمز رجله في الركاب

عجب الناس إذ رأوك على صو

رة ليث تمر مر السحاب

سبحوا إذ رأوك سرت عليه

كيف لو أبصروك فوق العقاب

ذات زور ومنسر وجناحي

ن تشق العباب بعد العباب

تسبق الطير في السماء إذا ما اس

تعجلوها بجيئة وذهاب

بارك الله للأمين وأبقا

ه وأبقى له رداء الشباب

ملك تقصر المدائح عنه

هاشمي موفق للصواب

ويقال: إن هذا الشعر قاله أبو نواس في محمد، وقد ركب حراقته الدلفين؛ فقال له شيخ إلى جانبه: اتق الله يا هذا! فقال له أبو نواس: يا شيخ، إن الله لم يسخر لصاحب المحراب الدلفين، وقد سخر له ما هو خير من الدلفين، فأي شيء تنكر من هذا؟

قال ابن حبيب: كنت مع مؤنس بن عمران، ونحن نريد الفضل بن الربيع ببغداد، فقال مؤنس: لو دخلنا على أبي نواس في السجن فسلمنا عليه! ففعلنا؛ فقال أبو نواس لمؤنس: أين تريد؟ فقال: أريد أبا العباس الفضل بن الربيع. قال: فبلغه رقعة أعطيكها. قال: نعم. فأعطاه رقعة فيها:

ما من يد في الناس واجدة

كيد أبو العباس مولاها

نام البغاة على مضاجعهم

وسرى إلى نفسي فأحياها

قد كنت خفتك ثم أمنني

من أن أخافك خوفك الله

فعفوت عني عفو مقتدر

وجبت له نقم فألغاها

فكانت هذه الأبيات سبب خروجه من السجن.

انصرف أبو نواس من بعض المواخير سكران، فمر بمسجد قد حضرت فيه الصلاة، فدخل فقام في الصف الأول؛ فقرأ الإمام:

قل يا أيها الكافرون

فقال أبو نواس من خلفه: لبيك! فلما قضيت الصلاة لببوه

53

وقالوا له: يا كافر، نشهد عليك بالكفر! ودفعوه. فبلغ خبره الرشيد، فدعا له حمدويه صاحب الزندقة، وأحضر أبا نواس فقال له حمدويه: يا أمير المؤمنين، إن هذا ماجن، وليس هو بحيث يظن. فقال له الرشيد: ويحك! إنه وقع في نفسي منه شيء، فامتحنه. قال: فخط له صورة ماني،

54

وقال له: ابصق عليها. فأهوى أبو نواس بفيه ليقيء عليها؛ فقال له حمدويه: قد قلت لك يا أمير المؤمنين إنه ماجن. قال: ودعا برجل من الزنادقة مشهور، وقال له: ابصق عليها. فقال: وما معنى البصاق! إنه من أخلاق الشرك ولا أفعله، وأبى أن يفعل. فقال الرشيد لبعض خدم القصر: امض بهذا (يعني أبا نواس) إلى السندي، فقل له: أدبه وأطلقه، وبهذا (يعني الزنديق) فقل له: احبسه قبلك إلى أن تستتيبه، فإن تاب وإلا قتلناه. قال: فمضى بهما الخادم، فلما صار في آخر الصحن، قال أبو نواس للخادم: إلى أين تذهب بنا؟ قال: إلى السندي. قال: فما تقول له؟ قال: أقول له يحبسك قبله حتى تستتاب أو تقتل، ويؤدب هذا ويطلقه. قال: فرفع أبو نواس يده ولطمه، وقال له: يا بن الزانية، من الساعة نسيت! وبصر بهم الرشيد، فقال: ردوهم. فقال لأبي نواس: ما هذا الذي رأيت منك؟ قال: أراد والله أن يهلكني ويطرحني بحيث أنسى أبدا أو أبقى مخلدا، سله يا أمير المؤمنين عن الرسالة، فإذا هو قد غيرها. فضحك من أبي نواس وأطلقه.

عصر المأمون · الصفحة ٤٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٥٣