عن ناجذيه وبسر
40
أغنيت ما أغنى المطر
وفيك أخلاق اليسر
فإن أبوا إلا العسر
أمررت
41
حبلا فاستمر
حتى ترى تلك الزمر
تهوي لأذقان الثغر
42
من جذب ألوى
43
لو نتر
إليه طودا لانأطر
44
صعب إذا لاقى أبر
وإن هفا القوم وقر
أو رهبوا الأمر جسر
ثم تسامى ففغر
عن شقشق ثم هدر
ثم تناجى فخطر
بذي سبيب
45
وعذر
يمضع أطراف الوبر
هل لك والهل
46
خير
فيمن إذا غبت حضر
أو نالك القوم ثأر
وإن رأى خيرا شكر
أو كان تقصير عذر
ولما عمل أبو نواس القصيدة التي أولها: «ومستعبد إخوانه بثرائه» بلغت الأمين، فبعث إليه، وعنده سليمان بن جعفر، فلما دخل عليه قال له: يا عاض بظر أمه العاهرة، ويا مدعي ولاء حاء وحكم! أتدري يا بن اللخناء من توليت وإلى من ادعيت؟ إلى ألأم قبيلتين في اليمن، علوج باغين. أنت تكتسب بشعرك أوساخ أيدي الناس اللئام، وتقول: «ولا صاحب التاج المحجب في القصر»! أما والله ما نلت مني شيئا بعد ذلك أبدا!
فقال له سليمان بن أبي جعفر: إي والله! نعم هو مع هذا من كبار الثنوية
47 (وكان يرمي بذلك). فقال له محمد الأمين: وهل يشهد عليه شاهد بشيء من ذلك؟ فأتاه سليمان بعدة نفر، فشهدوا عليه أنه شرب في يوم مطير فوضع قدحه تحت السماء في المطر فوقع فيه المطر؛ فقالوا له: ما تصنع بذلك ويحك؟ قال: أنتم تزعمون أنه ينزل مع كل قطرة ملك، فكم تراني أشرب من الملائكة؟! ثم شرب ما في القدح؛ فغضب محمد، وأمر به إلى السجن. فذلك قول أبي نواس:
يا رب إن القوم قد ظلموني
وبلا اقتراف معطل حبسوني
وإلى الجحود بما عرفت خلافه
ربي إليك بكذبهم نسبوني
ما كان إلا الجري في ميدانهم
في كل خزي والمجانة ديني
لا العذر يقبل لي ويفرق شاهدي
منهم، ولا يرضون حلف يميني
ما كان - لو يدرون - أول مخبأ
في دار منقصة ومنزل هون
أما الأمين فلست أرجو دفعه
عني، فمن لي اليوم بالمأمون
فبلغت أبياته المأمون، فقال: والله لئن لحقته لأغنينه غنى لا يؤمله. فمات قبل دخول المأمون بغداد.
لما وصلت الخلافة إلى محمد الأمين وولى الفضل بن الربيع الوزارة، تفرغ محمد للهو والصيد والنزهة، وكان لا يخرج إلا لصيد أو لنزهة. فخرج ذات يوم وقد أمر الجند والقواد فركبوا، ولبس ثيابه وتقلد سيفه، وأعدت الحراقات
48
والزلاجات في دجلة؛ فقال له إسماعيل بن صبيح - وكان كاتب سره: يا أمير المؤمنين، إن قوادك وجندك وعامة رعيتك قد خبثت نفوسهم، وساءت ظنونهم، وكبر عندهم ما يرون من احتجابك عنهم، فلو جلست لهم ساعة من نهار فدخلوا عليك! فإن في ذلك تسكينا لهم ومراجعة لآمالهم! فجلس في مجلسه وأذن للناس عامة فدخلوا على مراتبهم ومنازلهم، وقام الخطباء فخطبوا، والشعراء فأنشدوا، فلم يكن أحد منهم يتعدى إلى الإطناب والتطويل، إلا أمر بالسكوت ومنع من القول .
وقام فيمن قام أبو نواس، فقال: يا أمير المؤمنين! هؤلاء الشعراء أهل حجر ومدر، وإبل ووصف للبقر وبيوت الشعر، قد جفت ألفاظهم، وغلظت معانيهم، ليس لهم بصر بمدح الخلفاء ونشر مكارمهم، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشاده فليفعل. فأذن له فأنشده:
أيا دارها بالماء حتى تلينها
فلن تكرم الصهباء حتى تهينها
أغالي بها حتى إذا ما ملكتها
أهنت لإكرام الخليل مصونها
وصفراء قبل المزج بيضاء بعده
كأن شعاع الشمس يلقاك دونها
ترى العين تستعفيك من لمعانها
وتحسر حتى ما تقل جفونها
نزوع بنفس المرء عما يسوءه
ويجذله ألا يزال قرينها
كأن يواقيتا رواكد حولها
وزرق سنانير تدير عيونها
وشمطاء حل الدهر منها بنجوة
دلفت إليها فاستللت جبينها
كأنا حلول بين أكناف روضة
إذا ما سلبناها مع الليل طينها
إلى أن أكمل القصيدة. فقال له محمد: ألم أنهك عن شرب الخمر! قال: بلى يا أمير المؤمنين، والله ما شربتها منذ نهيتني عنها ومنعتني من شربها، وأنا الذي أقول:
أيها الرائحان باللوم لوما