ذهب الذين يعاش في أكنافهم
وبقيت في خلف كجلد الأجرب
ولقد أنشدني أبو نعيم أبياتا، قلنا: أنشدناها. فقال:
ذهب الناس فاستقلوا وصرنا
خلفا في أراذل النسناس
في أناس نعدهم من عديد
فإذا فتشوا فليسوا بناس
كلما جئت أبتغي الفضل منهم
بدروني قبل السؤال بياس
وبكوا لي حتى تمنيت أني
مفلت عند ذاك رأسا براس
ثم قال: أتدرون لمن الشعر؟ قلنا: لا. قال: للحسن بن هانئ.
قال أبو عبد الرحمن الضرير: رأيت مسلم بن الوليد بجرجان وهو يتولاها، فسألني عمن خلفت من الشعراء؛ فقلت له: أما من الكوفيين فأبو نواس، وهو مقدم عندهم. فقال: ويحك! كيف يتقدم وهو يقول: رويدك يا إنسان لا أنت تقفز؟ أرأيت قوله: «تقفز» خرجت من بين فكي شاعر قط؟! ثم قال: ويلك! وكيف يكون كذلك وهو يحيل ويتخطى من صفة المخلوق إلى صفة الخالق؟ فقلت: مثل ماذا من قوله ؟ قال: أما فيما أحال فكقوله:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه
لتخافك النطف التي لم تخلق
وهذا من الإغراق المستحيل في العقول ومما ليس على مذهب القوم؛ وأما في تخطيه بصفة المخلوق إلى صفة الخالق فكقوله:
يجل أن تلحق الصفات به
فكل خلق لخلقه مثل
وكقوله:
بريء من الأشباه ليس له مثل
ومما قيل عن أبي نواس إن الشعر إنما هو بين المدح والهجاء وأبو نواس لا يحسنهما، وأجود شعره في الخمر والطرد، وأحسن ما فيهما مأخوذ ليس له وإنما سرقه، وحسبك من رجل يريد المعنى ليأخذه فلا يحسن أن يبني عليه حتى يجيء به قبيحا، مثل قوله: «وداوني بالتي كانت هي الداء» أخذه من قول الأعشى: «وأخرى تداويت منها بها» والذي أخذه منه أحسن. ومنها أيضا قوله: «إن الشباب مطية الجهل» أخذه من قول النابغة الجعدي: «فإن مطية الجهل الشباب». وقوله: «كطلعة الأشمط من إهابه» أخذه من قول أبي النجم: «كطلعة الأشمط من كسائه». ولكن رزق أبو نواس في شعره أن سار وحمله الناس وقدمه أهل عصره، وإن له على ذلك لأشياء حسانا لا يدفعها ولا يطرحها إلا جاهل بالكلام أو حاسد.
ومن أحسن مدائح أبي نواس قوله من أرجوزته التي يمدح بها الفضل بن الربيع، وهي:
وبلدة فيها زور
صعراء تحظى في صعر
مرت
21
إذا الذئب اقتفر
بها من القوم الأثر
كان له من الجزر
كل جنين ما اشتكر
22
ولا تعلاه شعر
ميت النساحي الثغر
عسفتها
23
على خطر
وغرر من الغرر
ببازل حين فطر
يهزه جن الأشر
لا متشك من سدر
24
ولا قريب من خور
كأنه بعد الضمر
وبعد ما جال الضفر
25
وانمح في فحسر:
جأب
26
رباع المثغر
يحدو بحقب كالأكر
ترى بأثباج القصر
27
منهن توشيم الجدر
رعين أبكار الخضر
شهري ربيع وصفر
حتى إذا الفحل جفر
28
وأشبه السفى الإبر
ونش أذخار النقر
29
قلن له: ما تأتمر؟
وهن إذ قلن: أشر
غير عواص ما أمر
كأنها لمن نظر
ركب يشيمون مطر
حتى إذا الظل قصر
يممن من جنبي هجر
أخضر طمام العكر
وبين أحقاف القتر
سار وليس للسمر
ولا تلاوات السور
يمسح مرنانا يسر
30
زمت بمشزور المرر
لأم كحلقوم النغر
31
حتى إذا اصطف السطر
أهدى لها لو لم تجر
دهياء يحدوها القدر
فتلك عنس لم تدر
شهبا إذا الآل ظهر
إليك كلفنا السفر
خوصا يجاذبن النظر
قد انطوت منها السرر
طي القراري
32
الحبر
لم تتقعدها الطير
ولا السنيح المزدجر
يا فضل للقوم البطر
إذ ليس في الناس عصر
ولا من الخوف وزر
ونزلت إحدى الكبر
وقيل صماء الغير
فالناس أبناء الحذر:
فرجت هاتيك الغمر
عنا «وقد صابت بقر»
33
كالشمس في شخص بشر
أعيا مجاريك الخطر
أبوك جلي عن مضر
يوم الرواق المحتضر
والخوف يفري ويذر
لما رأى الأمر اقمطر
34
قام كريما فانتصر
كهزة العضب الذكر
ما مس من شيء هبر
35
وأنت تقتاف الأثر
من ذي حجول وغرر
معيد ورد وصدر
وإن علا الأمر اقتدر
فأين أصحاب الغمر
إذ شربوا كأس المقر
36
وقصروا فيمن قصر
هيهات لا يخفى القمر
أصحرت
37
إذ دبوا الخمر
شكرا، وحر من شكر
فالله يعطيك الشبر
38
وفي أعاديك الظفر
والله من شاء نصر
وأنت إن خفنا الحصر
39
وهر دهر وكشر