لم يمس محتاجا إلى أحد
وقوله:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت
له عن عدو في ثياب صديق
ثم قال: قلت في الزهد ستة عشر ألف بيت وددت أن أبا نواس له ثلثها بهذه الأبيات.
وقال الجاحظ: سمعت النظام يقول، وقد أنشد شعرا لأبي نواس: كأن هذا الفتى جمع له الكلام فاختار أحسنه. وقال بعضهم: كأن المعاني حبست عليه، فأخذ حاجته وفرق الباقي على الناس. وقال أبو حاتم: كانت المعاني مدفونة حتى أثارها أبو نواس.
حدث الحسين بن الخصيب الكاتب، قال: قال أحمد بن يوسف الكاتب: كنت أنا وعبد الله بن طاهر عند المأمون، وهو مستلق على قفاه، فقال لعبد الله بن طاهر: يا أبا العباس، من أشعر من قال الشعر في خلافة بني هاشم؟ فقال: أمير المؤمنين أعرف بهذا وأعلى عينا. فقال له المأمون: على ذلك قفل. تكلم أنت يا أحمد بن يوسف. فقال عبد الله بن طاهر: أشعرهم الذي يقول :
ويا قبر معن كنت أول حفرة
من الأرض خطت للسماحة منزلا
قال أحمد بن يوسف الكاتب: فقلت: بل أشعرهم الذي يقول:
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم
إذ كان حظي منك حظي منهم
فقال المأمون: يا أحمد أبيت إلا غزلا! أين أنتم عن الذي يقول:
يا شقيق النفس من حكم
نمت عن ليلي ولم أنم
فقلنا: صدقت يا أمير المؤمنين.
وكان المأمون يقول: لو سئلت الدنيا عن نفسها فنطقت، لما وصفت نفسها كما وصفها أبو نواس في قوله:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت
له عن عدو في ثياب صديق
ورد على العتابي بحلب عدة من الكبار من أهل قنسرين، فدخلوا وسلموا؛ وكان في يده رقعة ينظر إليها، فقال لهم: لقد سلك صاحب هذه الرقعة واديا ما سلكه أحد قبله! فنظروا فإذا هو شعر أبي نواس في جنان جارية آل عبد الوهاب الثقفي، وهو قوله:
ربع الكرى بين الجفون محيل
عفى عليه بكي عليك طويل
يا ناظرا ما أقلعت لحظاته
حتى تشحط بينهن قتيل
أحللت قلبي من هواك محلة
ما حلها المشروب والمأكول
بكمال صورتك التي من دونها
يتخير التشبيه والتمثيل
فوق القصيرة والقصيرة فوقها
دون السمين ودونها المهزول
ومما أنشده العتابي لأبي نواس فقال أحسن وأجاد:
متتايه بجماله صلف
لا يستطاع كلامه تيها
للحسن في وجناته بدع
ما إن يمل الدرس قاريها
لو كانت الأشياء تعقله
أجللنه إجلال باريها
لو تستطيع الأرض لانقبضت
حتى يصير جميعه فيها
وقوله:
إن السحاب لتستحيي إذا نظرت
إلى نداك فقاسته بما فيها
حتى تهم بإقلاع فيمنعها
خوف من السخط من إجلال منشيها
قال محمد بن صالح بن بيهس الكلابي: لما دخلت العراق صرت إلى مدينة السلام فسألت عمن بها من الشعراء المحسنين، وذلك في أيام خلافة الأمين أو عند موته قبل دخول المأمون بيسير، فقيل لي: قد غلب عليهم فتى من أهل البصرة يقال له الحسن بن هانئ ويعرف بأبي نواس. وقد كنت سمعت شيئا من شعره، فأتاني فتى كان من أهل الأدب، فقلت له: هل تروي لأبي نواسكم هذا شيئا؟ قال: أروي له أبياتا في الزهد وليس هو من طريقته. فقلت: أنشدنيها. فأنشدني:
أخي ما بال قلبك ليس ينقى
كأنك لا تظن الموت حقا
ألا يا بن الذين فنوا وبادوا
أما والله ما ذهبوا لتبقى
وما للنفس عندك من مقام
إذا ما استكملت أجلا ورزقا
وما أحد بزادك منك أحظى
ولا أحد بذنبك منك أشقى
ولا لك غير تقوى الله زاد
إذا جعلت إلى اللهوات ترقى
فقلت له: أحسن والله! قال: أفلا أنشدك أحسن من هذا؟ قلت بلى. فأنشدني في رثاء محمد الأمين:
طوى الموت ما بيني وبين محمد
وليس لما تطوي المنية ناشر
فلا وصل إلا عبرة تستديمها
أحاديث نفس ما لها الدهر ذاكر
لئن عمرت دور بمن لا أوده
لقد عمرت ممن أحب المقابر
وكنت عليه أحذر الموت وحده
فلم يبق لي شيء عليه أحاذر
فقال: بحق ما غلب هذا على أهل الأدب وقدموه على غيره.
قال محمد بن جعفر الأصم: كنا عند أبي نعيم، فتذاكرنا قول عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - حين ذكرت شعر لبيد يرثي أخاه أربد: