تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان قد استأذن خلفا في نظم الشعر، فقال: لا آذن لك في عمل الشعر إلا أن تحفظ ألف مقطوع للعرب ما بين أرجوزة وقصيدة ومقطوعة؛ فغاب عنه مدة وحضر إليه فقال له: قد حفظتها. فقال: أنشدها. فأنشده أكثرها في عدة أيام، ثم سأله أن يأذن له في نظم الشعر؛ فقال له: لا آذن لك إلا أن تنسى هذه الألف أرجوزة كأنك لم تحفظها. فقال له: هذا أمر يصعب علي فإني قد أتقنت حفظها، فقال له: لا آذن لك إلا أن تنساها، فذهب إلى بعض الديرة وخلا بنفسه وأقام مدة حتى نسيها، ثم حضر فقال: قد نسيتها حتى كأن لم أكن قد حفظتها قط. فقال له: الآن فانظم الشعر.

وكان أبو نواس يقول: لا أكاد أقول شعرا جيدا حتى تكون نفسي طيبة، وأكون في بستان مونق، وعلى حال أرتضيها من صلة أوصل بها أو وعد بصلة، وقد قلت وأنا على غير هذه الحال أشعارا لا أرضاها. وكان يعمل القصيدة ثم يتركها أياما، ثم يعرضها على نفسه فيسقط كثيرا منها ويترك صافيها، ولا يسره كل ما يقذف به خاطره. وكان يهمه الشعر في الخمر فلا يعمله إلا في وقت نشاطه. ولم يكن في الشعر بالبطيء ولا بالسريع بل كان في منزلة وسطى.

وكان الأصمعي يقول: يعجبني من شعر الشاعر بيت واحد قد أجاد قائله وهو:

ضعيفة كر الطرف تحسب أنها

قريبة عهد بالإفاقة من سقم

وإني لآتي الأمر من حيث يتقى

ويعلم سهمي حين أنزع من أرمي

قال العنابي لرجلين تناظرا في شعر أبي نواس: والله لو أدرك الخبيث الجاهلية ما فضل عليه أحد.

وقال أبو عمرو الشيباني: أشعر الناس في وصف الخمر ثلاثة: الأعشى والأخطل وأبو نواس.

قال محمد بن عمر: لم يكن شاعر في عصر أبي نواس إلا وهو يحسده لميل الناس إليه وشهوتهم لمعاشرته، وبعد صيته وظرف لسانه.

وقال أبو حاتم: سئل أبو نواس عن شعره فقال: إذا أردت أن أجد، قلت مثل قصيدي: «أيها المنتاب عن عفره»، وإذا أردت العبث قلت مثل قصيدي: «طاب الهوى لعميده»، فأما الذي أنا فيه وحدي وكله جيد فإذا وصفت الخمر.

وقال أبو ذكوان: كنا عند التوزي فذكرت عنده أبا نواس، فوضع منه بعض الحاضرين؛ فقال له التوزي: أتقول هذا لرجل يقول:

يخافه الناس ويرجونه

كأنه الجنة والنار

ويقول:

فما جازه جود ولا حل دونه

ولكن يصير الجود حيث يصير

ويقول:

فتمشت في مفاصلهم

كتمشي البرء في السقم

قال ابن الأعرابي يوما لجلسائه: ما أشعر ما قال أبو نواس في الخمر؟ فقال بعضهم:

إذا عب فيها شارب القوم خلته

يقبل في داج من الليل كوكبا

وقال آخر:

كأن كبرى وصغرى من فقاقعها

حصباء در على أرض من الذهب

وقال آخر:

ترى حيث ما كانت من البيت مشرقا

وما لم تكن فيه من البيت مغربا

وقال آخر:

فكأن الكئوس فينا نجوم

دائرات بروجها أيدينا

وقال آخر:

صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها

لو مسها حجر مسته سراء

فقال ابن الأعرابي: إن هذا كله لشاعر انفرد بالإحسان فيه، وتقدم من سبقه ومن تأخر عنه، ولكنه أشعر من هذا كله في قوله:

لا ينزل الليل حيث حلت

فدهر شرابها نهار

قال مسلم بن بهرام: لقيت أبا العتاهية فقلت له: من أشعر الناس؟ قال: تريد جاهليها أو إسلاميها أو مولدها؟ قال: كلا أريد. قال: الذي يقول في المديح:

إذا نحن أثنينا عليك بصالح

فأنت كما نثني وفوق الذي نثني

وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة

لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني

والذي يقول في الزهد:

ألا رب وجه في التراب عتيق

ويارب حسن في التراب رقيق

ويارب حرم في التراب ونجدة

ويارب رأي في التراب وثيق

فقل لقريب الدار إنك راحل

إلى منزل نائي المحل سحيق

وما الناس إلا هالك وابن هالك

وذو نسب في الهالكين عريق

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت

له عن عدو في ثياب صديق

وكان يقول: سبقني أبو نواس إلى ثلاثة أبيات وددت أني سبقته إليها بكل ما قلته؛ فإنه أشعر الناس فيها، منها قوله:

يا كبير الذنب عفو الله

من ذنبك أكبر

وقوله:

من لم يكن لله متهما

عصر المأمون · الصفحة ٤٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٤٩