تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قل للرقاشي إذا جئته

لو مت يا أحمق لم أهجكا

لأنني أكرم عرضي ولا

أقرنه يوما إلى عرضكا

إن تهجني تهج فتى ماجدا

لا يرفع الطرف إلى مثلكا

دونك عرضي فاهجه راشدا

لا تدنس الأعراض من هجوكا

والله لو كنت جريرا لما

كنت بأهجى لك من أصلكا

وقال أيضا يهجوه:

يا عربيا من صنعة السوق

وصنعة السوق ذات تشقيق

ما رأيكم يا نزار في رجل

يدخل فيكم من خلق مخلوق

ويحمل الوطب والعلاب ولا

يصلح إلا لحمل إبريق

لقد ضربنا بالطبل أنك في ال

قوم صحيح وصيح في البوق

قد أخذ الله من رقاش على

تركهم المجد بالمواثيق

فالناس يسعون للعلا قدما

وهم وراء مكسرو السوق

هذا كذاكم وفي الهياج إذا

هيج فما شئت من بواشيق

20

وقال أيضا يهجوه:

أصبح الفضل ظاهر التيه

وذاك مذ صرت أهاجيه

لله شعري، أي مفواهة

لكل من دوني قوافيه

كم بين فضل منذ هاجيته

وبينه قبل أهاجيه

فالحمد لله وإن كنت لم

أحفل بقوم نصحوا فيه

رضيت أن يشتمني ساقط

شسعي خير من مواليه

وكان أبو نواس في دعاويه يتماجن ويعبث ويخفي نسبه واسم أمه لئلا يهجى، وذلك مشهور عنه. ولو غضب هو نفسه على أبيه لهجاه ولم يحتشم. والمذكور من أمره أنه كان مولى الحكميين، يفتخر باليمن ويمدحهم لذلك، ويمدح العجم ويذكرهم لأنه منهم، فلذلك قال في العجم ما قال.

قال أبو الفرج الأصفهاني: كان أبو عبيدة يقول: ذهبت اليمن بجد الشعر وهزله: امرؤ القيس بجده، وأبو نواس بهزله. وكان يقول: ذهبت اليمن بجيد الشعر في قديمه وحديثه: امرؤ القيس في الأوائل، وأبو نواس في المحدثين. وكان يقول: شعراء اليمن ثلاثة: امرؤ القيس وحسان بن ثابت وأبو نواس. وقال أيضا: أبو نواس في المحدثين مثل امرئ القيس في المتقدمين، فتح لهم هذه الفطن ودلهم على المعاني وأرشدهم إلى طريق الأدب والتصرف في فنونه. وكان يقول: يعجبني من شعر أبي نواس قوله:

بنينا على كسرى سماء مدامة

مكللة حافاتها بنجوم

فلو رد في كسرى بن ساسان روحه

إذن لاصطفاني دون كل نديم

وسئل يعقوب بن السكيت عما يختار روايته من أشعار الشعراء، فقال: إذا أردت من الجاهليين فلأمرئ القيس والأعشى، ومن الإسلاميين فلجرير والفرزدق، ومن المحدثين فلأبي نواس فحسب. وقيل للعتبي: من أشعر الناس؟ قال: عند الناس أم عندي؟ قيل: عند الناس؟ قال: امرؤ القيس. قيل: فعندك؟ قال: أبو نواس.

وقال عبد الله بن محمد بن عائشة: من طلب الأدب فلم يرو شعر أبي نواس فليس بتام الأدب. وسئل: من أشعر المحدثين؟ فقال: الذي يقول:

كأن ثيابه أطلع

ن من أزراره قمرا

يزيدك وجهه حسنا

إذا ما زدته نظرا

بعين خالط التفتي

ر من أجفانها الحورا

ووجه سابري لو

تصوب ماؤه قطرا

وقد خطت حواضنه

له من عنبر طررا

وقال إبراهيم بن العباس الطويل: إذا رأيت الرجل يحفظ شعر أبي نواس علمت أن ذلك عنوان أدبه ورائد ظرفه.

وكان أبو نواس يقول عن نفسه: سفلت عن طبقة من تقدمني من الشعراء، وعلوت عن طبقة من معي ومن يجيء بعدي، فأنا نسيج وحدي.

وحدث جماعة من الرواة ممن شاهد أبا نواس قالوا: كان أقل ما في أبي نواس قول الشعر، وكان فحلا راوية عالما.

وقال أبو عبيدة: بلغني أن أبا نواس يتعاطى قرض الشعر فتلقاني وهو سكران ما طر شاربه بعد، فقلت له: كيف فلان عندك؟ فقال: ثقيل الظل، جامد النسيم. فقلت: زد. فقال: مظلم الهواء؛ منتن الفناء. فقلت: زد. فقال: غليظ الطبع، بارد الشكل. قلت: زد؛ فقال: وخم الطلعة؛ عسر القلعة؛ قلت: زد. قال: ناتئ الجنبات، بارد الحركات. قال: فخففت عنه. فقال: زدني سؤالا أزدك جوابا. فقلت: «كفى من القلادة ما أحاط بالعنق.»

وقال سليمان بن أبي سهل لأبي نواس: ما الذي استجيد من أجناس شعرك؟ فقال: أشعاري في الخمر لم يقل مثلها، وأشعاري في الغزل فوق أشعار الناس، وهما أجود شعري إن لم يزاحم غزلي ما قلته في الطرد.

وكان يقول: ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة من العرب منهن الخنساء وليلى، فما ظنك بالرجال؟ وإني لأروي سبعمائة أرجوزة ما تعرف.

عصر المأمون · الصفحة ٤٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٤٨