تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي العصاة

حتى إذا ظن أن قد عز بضلاله، وتحصن بمعاقله، واستكمل قواه، وكثف تدبيره، ولجأ إلى مانع منه ودافع عنه، عطفت عليه عواطف الحق بأولياء الحق وأنصاره، ناقضين ما أبرم، ومتداولين ما سد، ومتوغلين إلى غيه ببصائرهم، وإلى باطله بحقهم، فاستنزل عن موضع عزه قسرا، وأمكن الله أولياءه أسرا؛ سنة الله فيمن عند عن سبيله، وألحد في دينه، ومرق عن الطاعة وثائقها، واستبدل بالحق ومنهاجه، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا، ولن تجد من دونه ملتحدا ولا نصيرا؛ حتى إذا تراءى الجمعان تبرأ الشيطان من حزبه، وأرهق الله باطلهم بحقه، وجعل الفلج والظفر لأولى الحزبين به، بذلك جرت سنة الله في الماضين من خلقه، وذلك ما وعد من تمسك بأمره وطاعته.

وفي مدح قواد الجيوش وصفة الأولياء في أحوالهم

لما بلا من طاعته، واختبر من نصيحته، ويمن نقيبته، وشدة شكيمته، وصحة عزيمته، وصدق نيته، وثقل وطأته على أعداء الله وأعداء الدين والمسلمين، وعلمه بمراوضة الحرب وممارستها، ومكايدة الأعداء ومواقفتهم فيها، فشمر تشمير أهل الحسبة وحسن الظن بالله من غير ونية ولا فترة ولا بقاء جد ولا اجتهاد، راجيا أن ينجح الله سعيه، ويفلج حجته، ويظهره على عدوه من الاستقلال الذي حمله، والاضطلاع بما أسند إليه، والامتثال لسيرته، والانتهاء إلى أمره، والقبول لأدبه، والخفوف بما يستنهضه له من حروبه وأموره مثل الذي جعل عند فلان: يفضلهم بطوله، ويطولهم بمحاسنه، ويتقدمهم بحسن بلائه وغنائه، ومواقفه ومساعيه، لم يختبره أمير المؤمنين في جميع خصاله إلا وجده عند الاختبار والتحصيل سالكا لمناهجه، قابلا لأمره، متبعا لأثره، ساميا بهمته إلى أقصى الغايات وأعلى الدرجات، حتى صار عند أمير المؤمنين مقدما في القدر والرتبة، مخصوصا بالمنزلة والرفعة، يرى ذلك قليلا في كثير ما وجب بطاعته ونصيحته، فبارك الله عليه وليا ظهيرا. فأقدموا متوكلين على الله مسلمين لأمره صابرين على ما نالهم من اللأواء والجهد والتعب وكلب الشتاء وحمارة القيظ، وصعوبة المرام من أعداء الله الكفرة، يرجون نصر الله وتنجز ما وعد الصابرين والمجاهدين في سبيله من الظفر والنصر والغلبة على عدوهم، توحد به من نصرهم وإعزازهم أن كان الله عز وجل تكفل لأوليائه بالنصر والعز والحيطة، وجعل حسن العاقبة لهم، وكبت من حادهم وأخلد إلى المعصية والكفر والأسر، ليكونوا بذلك عظة ونكالا لمن أمهله الله منهم، ولتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، والله عزيز حكيم؛ أعظمهم غناء، وأحسنهم بلاء، وأشدهم صولة، وأقساهم نكاية، وآمنهم سريرة، وأمضاهم عزيمة، وأربطهم جأشا، وأصدقهم بأسا، وأملأهم للأقران، وأرعاهم لوثائق الإيمان، وأشدهم تحدبا على السلطان، فآزره بهم، وحصن أطراف خلافته بأيديهم، فكفوه المهم وقاموا دونه بالملم، غير مستطيلين بغناء، ولا متعرضين لطلب جزاء، قد تعبدهم الوفاء، وغنوا بقربة الولاء؛ فإن الله جعل آباءه أعلاما في الطاعة يهدون إليها، وأوليته قادة إلى سبيل النصيحة يتمسك المناصحون بآثارهم فيها، باقيا على كر الأيام ذكر مساعيهم، وزائدة على تصرف الأيام حقوقهم، وباديا للعيون حميد أفعالهم، لا تنصرم الأخبار عن سالف لهم إلا وصلوه بحادث، ولا يتقادم لهم من بلائهم أول إلا اتبعه آخر. ففلان يجري في أمره على منهاج قد أوضحوه له، ويسلك في الطاعة طريقا قد سهلوا له مذاهبه، ويتمسك بعرى وثيقة قد رأى آثارها على من تقدمه، والله محمود. ولم يزل الله يعرف أمير المؤمنين في كل ما أسنده إلى فلان من أعماله وقلده من أموره، المبالغة في قضاء الحق عليه ويمن النقيبة فيما يتولاه، والاجتهاد في كل ما قربه من الله وخليفته. وأمير المؤمنين يحمد الله على ما يخصه به من نعمته، وإياه يستعين على قضاء حقه، إنه سميع قريب.

عصر المأمون · الصفحة ٤٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٣٦