تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

30

وعرضت عليهم التوبة، ودعوتهم إلى الإنابة، وأعطيتهم الأمان، وأعلمتهم أنهم إن قبلوا حمدتهم وأخمدت نار الحرب بيني وبينهم، وإن أبوا إلا تماديا في غيهم ونكوصا على شقائهم، وليت مناجزتهم وعرفت من الله الخيرة في محاربتهم، واستعنته عليهم، واستكفيته أمرهم، ورجوت حسن عادته عند أمير المؤمنين في أمثالهم. ثم وجهت الأولياء فنفذوا نحو عسكرهم ليلا وهم متفرقون في رحالهم، مغترون في أوطانهم، قد أمنوا خدع الحروب ومكرها ومكيدتها، ووقعة البيات وهولها، إلا طائفة منهم أهل عدد وعدة، وبأس في أنفسهم وقوة، اتخذوا الليل جملا، وسروا نحونا يرجون غرتنا ويأملون غفلتنا، فوقف جندنا بمكانهم آخذين أهبتهم، متمسكين بالطاعة فيما به إمرتهم، فأسرعت إليهم من أعدائهم طائفة فدفعوهم عن أنفسهم، ونالوهم بجراحات مع قتلى منهم عند تناوشهم، ثم نكصوا على أدبارهم، ورجعوا القهقرى على أعقابهم إلى الباقين من سريتهم، فاستجاشوهم فاجاهم بالمكانفة والمؤازرة، وأقبلوا بحميتهم وحنقهم حتى حملوا حملة رجل واحد، وضاق الفضاء وطارت أفئدة جندنا رعبا من حملتهم، وبلغت القلوب الحناجر منهم، إلا طائفة قليلة من لواقح الحرب ومواضي رواسخها وأشبال لبدتها، تزينوا بالطاعة فأموا حسن العاقبة، ونصروا الدين، فوثقوا بالتمكين، انتدبوا إليهم، ووقفوا لهم، وازدادوا بصيرة في أمرهم، ونفاذا وجدا في اجتهادهم ومجاهدتهم، فثبتوا قائمين بالقسط في أحوالهم، قائلين بالعدل في أملائهم، يسألونهم الكرة بعد الكرة، ويعدونهم الغلبة، ويمنونهم السلامة، ويضمنون لهم الغنيمة؛ ففاءوا إليهم، ورجعوا إلى الحق لله عز وجل عليهم، فشافعوا ساعة بالقنى بعد تراميهم إرشاقا بالسهام.

فلما رأى أعداء الله جدهم، وعرفوا صدقهم، وخافوا حدهم، نكصوا على أعقابهم، يريدون اللحاق بمعسكرهم، وتحرك أصحابنا في طلبهم، ورجوا سوء الصباح لهم، فأمعنوا في أثرهم؛ فلما أحسوا الفساق أعطوهم الضمة وولوا إلى ديارهم لا يلوي قريب على قريب، ولا ذو رحم على حبيب؛ ونالتهم القنى فدسرتهم، وعضت هامهم السيوف فكلمتهم، وحيل بينهم وبين الدخول من باب عسكرهم، فأخذوا في غير طريقه منهزمين، قد فل الله حدهم، وقلل كثرتهم، وقتل عامتهم؛ ورجع أصحابنا إلى معسكر أعدائهم بعد التشريد والتفريق بجماعتهم، فأحاطوا بهم في آخر ليلتهم، فلما رأوا غفلتهم، وأمنوا غرتهم، وانتهزوا مكان الفرصة منهم أحاطوا بهم وهم نائمون، فارون غافلون متفرقون، فوضعوا السلاح فيهم، ضربا بالسيوف، وطعنا بالرماح، وضربا بالأعمدة، وذبحا بالشفار، لا يشوون من جرحوا، ولا يبقون من كلموا، غير مدفوعين ولا ممنوعين، حتى انثنت السيوف، وتحطمت القنى واندقت الأعمدة، وكلت الشفار، وبقيت منهم عدة يسيرة وشرذمة قليلة ممن لم ينله القتل، فأخذوا أسرى، وأوثقوا حديدا، وكبلوا قيودا، وكان أول رأس أتاني بخبره

31

بشيرهم وأسرع به إلي ذو المعرفة منهم رأس

32

عدو الله المارق الباغي، الشاق لعصا المسلمين، ملأني رئيس ضلالتهم، وقائد جهالتهم، ومستغوي جماعتهم، فعرفته بحليته ونعته وصفته في عدد كثير من رءوس قواده وأهل الفتنة وأئمة البدعة، فلم يلبثوا إلا ريثما تصدعوا في كل جبل وخمر، منهزمين هاربين، لا يستطيعون لما أتاهم من عذاب الله دفعا ولا منعا بأيد ولا قوة؛ ولا يلجئون إلى ركن وعصمة، قد تشتت بهم نظامهم، وفارقهم وجوههم وأعلامهم، فأخذهم أسرا قسرا قد منهم النصب، وملأ قلوبهم الرعب وتخرمتهم الوقائع، ونخبتهم الهزائم، وتحيفهم القتل، وغلب الله عز وجل لأمير المؤمنين على حصنه الذي كان مناف عزه، وموضع منعته في نفسه، ومجتمع عدته، ومادة قوته، فقوضوا عساكرهم، وأقشعوا عن حصنهم يتبع آخرهم أولهم، متحيرين متلددين، أذلة خاسرين، فتفرقوا لا نظام لهم ولا جامع لشتاتهم. فلما استحر القتل فيهم، وفشت الجراحات في عامتهم، وطحنتهم الحرب بكلكلها، وألموا وقع حديد أنيابها ومساعرها، قذف الله الرعب في قلوبهم وزلزل بهم أقدامهم، فولوا منهزمين مغلولين، وركب المسلمون أكتافهم، يقتلونهم في رءوس جبالهم، وخلال غياضهم، وبطون أوديتهم، ومقاصي تلاعهم، وفي كل ناحية من نواحيهم، حتى عجز الليل دونهم، وأعجزوهم هربا في معاقلهم.

عصر المأمون · الصفحة ٤٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٣٥