فإن كتابك ورد على أمير المؤمنين بما لم يزل يتطلع إليه منك ويؤمله عندك، ويرجو أن يوفقك الله فيه لرشدك، ويؤثرك منه بحظك، للذي كان يبلغه وينتهي إليه من خبرك، في أحوالك وتصرفك في خصال الخير، وتنقلك في درجتها، مساميا لأهل الفضل في مراتبهم، متزينا بصالح أفعال الملوك في قصد سيرتهم، وحسن طريقتهم، ولين أكنافهم. فحقق الله ظنه بك، وأجاب دعاءه لك، وبلغ بك أمنيته، وأعطاه فيك رغبته. وكنت فيما هديت له بانقيادك إليه راغبا، ودخولك فيه محتسبا، مستوليا على أسنى الأمور مئونة، وأفضلها ذخيرة، وأعلاها درجة، وخيرها عاقبة، وأعمها سلامة، وأمنعها كهفا، وأبقاها شرفا، وأعدلها حكما، وأطولها سلما، مستحقا بذلك على الله عز وجل زيادة الملك فيها، وبهاء الثروة، وانبساط القدرة، واتساع المملكة، وظهور الغلبة وعز التمكين، والنصرة في الدار التي حبيت فيها بقليل ما ترجو أن تصير إليه من ثواب الله عز وجل وحسن مجازاته بالنعيم المقيم في دار الأمد، ومحل الأبد، بما لا يبلغه إحصاء، ولا يكون له انتهاء؛ وملأه فرحا وابتهاجا، وسرورا وجذلا، ورجاء لك من الله عز وجل حسن عونه وتوفيقه أن يغلب لك على حظك، وأن يأخذ إلى تقواه بقلبك ويجعل فيما عنده رغبتك ، وإلى ذلك سموك وهمتك. وليس ينفك أمير المؤمنين مقتفرا فيك أثرا يحمده، ومتصفحا بخبر يبهجه، ومستحدثا نعمة من الله عز وجل يرجو اتصالها واتساقها لديه بك، حتى يتناهى إلى الدرجة العليا، والغاية القصوى، فيما [يبتغيه]
33
من اجتثاث أرومة الفسقة وقطع دابرهم. وبالله الثقة والحول والقوة، متعرفا من الله فيما فارقه من جهاد عدوه أتم مصادق وعد القائمين بحقه، الصابرين في جنبه، وأحسن ما أبلى، ذائدا عن حريم، ومحصنا لبيضة، ومدافعا عن ملة، فشمر شاريا لله نفسه، طارحا عنه لباس الغفلة، متجافيا عن مهاد الوطأة، وليس تدخله الخلة والوحشة على من كنت قريبا منه، ولا يمتنع لأمير المؤمنين طرف أنت فيه، ولا أمر يعين عليه ويتمسك بسبب من أسبابه.
وصف الأولياء في الكتب
وصار أهل السمو إلى الدرجة العليا، والاعتصام بالعروة الوثقى، من أولياء أمير المؤمنين وشيعته، منشرحة صدورهم بمكانفته، منبسطة أيديهم بمعاونته؛ وقسم لأمير المؤمنين من أولياء دينه وأنصاره، قوم آزرهم بالنصر، وكنفهم باليقين، وألف بصائرهم على الحق، وأيدهم بمؤيدات التقوى؛ فلما أمرهم أطاعوا أمره، ولما فرضوا في ذات الله طاعته، فرض الله نصرهم وتمكينهم، فجاهد مجاهدهم مستبصرا محتسبا، وقام قائمهم بالحق عليه مخلصا مجتهدا؛ وقادتهم طلائع الدين ودواعيه أرسالا قدما، فاتبعوا سبيله لا ناكلين عن إقدام، ولا متوقفين عن ارتياب، ولا متهيبين، مع دخائلهم وبصائرهم، عدوا ولا عنادا؛ طالبين بثأر الدين بغاته، وبطوائل الإسلام عداته: من صنوف أمم الكفر ومردة النفاق وأئمة الملحدين؛ متقلدين للحق ونصرته، ولئن تمم الحق بهم ومضى، ولين مع الحق من نكث عنه بألسنتهم وأيديهم، حتى فتح الله عز وجل لأمير المؤمنين معاقل الشرك وأممه، وأناخ الباطل وأركانه، وأعلام البدع وأتباعها، فضلا من الله ونعمة، والله عليم حكيم؛ إن هززتهم قطعوا قطع الحسام، وإن أجريتهم في عظيمة وقعوا وقع الجياد، وإن استغنيت ودام الغناء لك عن جميع العاملين، كانوا رصدا لك فوق أعناق الحاسدين.
ما يقرظ به أمير المؤمنين في أواخر الكتب
ليعرفوا موقع نعم الله عند أمير المؤمنين، يحوطه به في أوليائه، من النصر والتمكين، وعلى أعدائه من الوقم
34
والتوهين؛ ويشكر الله على النعمة في ذلك، إن الشكر محصن للنعم، وأمان من الغير، لتحلو مواقع النعمة عليهم، فيما يجمع الله بأمير المؤمنين من كلمتهم، ويحوط من حريمهم، ويحل من بأسه ونقمته بمن صدف عن سبيله وحاول تشتيت جماعتهم وتوهين حقهم، ويقابلون ذلك بما ترتبط به نعمه، ويستدر مزيده.