والحمد لله الذي اصطفى أمير المؤمنين بخلافته، وأكرمه بإرث نبوته، وجعل خلافته خلافة يمن وبركة، ولطف وسعادة؛ انتاش بها أولياءه من موارد الهلكة فرفع منزلتهم، وشرف درجتهم، وأعلى كلمتهم، وأذل بها أعداءهم، وجذ دوابرهم، ورد دائرة السوء عليهم؛ وحباه مزية نصره وتمكينه، وإعزازه وتأييده، وإظهاره على من ناوأه وعند عن حقه، وصدف عن طاعته؛ فإن الله لما اختار أمير المؤمنين لخلافته فأيده بها، جعل الحق نيته، وإعزاز الدين بغيته، ومجاهدة أعداء الله شرقا وغربا وبرا وبحرا نهمته وإرادته؛ ثم يسره في ذلك لما أحسن به عونه، على من استحفظه وقلده، فضلا من الله ونعمة، والله عليم حكيم.
والحمد لله الذي كان لسابق علمه وسالف قضائه، الذي لا يستطيع الناس رده، ولا منعه ولا صرفه، ما ولى المؤمنين من خلافته، وما ابتعثه له من النصر لدينه، والطلب لحقه، والجهاد لأعدائه؛ وأحسن في ذلك عونه فيه وبلاءه، وأيده في نفسه، لم ينقصه خذلان خاذل، ولا مخالفة من خالف ، ولم يزد أمره في شيء من ذلك إلا تماما وإحكاما؛ حتى أظهر حقه، وأفلج حجته، ومحق باطل أعدائه، وأدحض حججهم؛ وجعل أهل طاعته حزبه الغالبين، وجنده المنصورين؛ وجعل عدوه وعدوكم حزب الشيطان الخاسرين، وأولياءه الأذلين؛ بغير حول من أمير المؤمنين في شيء مما ولاه وأبلاه، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
لأبي عبيد الله
والحمد لله الذي أكرم أمير المؤمنين بما أصار إليه من الخلافة وإرث النبوة، وجعله القائم بأمر عباده وبلاده، والمحيي لسننه، والذاب عن دينه وحقه، والمناصب لأهل الشرك والجحود به؛ ثم نصره وأظهر فضل أيامه ودولته، ومكن له في بلاد عدوه، وجعل كلمته العليا وأنصاره الغالبين، ومن ناوأه من أهل الخلاف الأذلين المقهورين؛ وعرفه من نعمته في ذلك ومنته وجميل صنعه وعاداته، أحسن ما عود أحدا من أوليائه الذابين عن الإسلام وأهله؛ حمدا متتابعا لا انقطاع له ولا انصرام، دون بلوغ حقه، وقد كان كذا وكذا.
ما يكتب به في المخالفين في وقت الهزيمة
نكصوا على أدبارهم منكوبين مهزومين، قد ضرب الله وجوههم، وفت في أعضادهم، ومنح الأولياء أكتافهم؛ فقتلوهم في كل فج، وعلى رأس كل تلعة ومهرب ومسلك؛ أباد الله خضراءهم وغضراءهم، وحصد شوكتهم، وفل حدهم، وأباخ
29
نيران ضلالتهم وكفرهم، وشفى منهم الصدور، وأدرك منهم الإحن؛ ونفل المسلمين أموالهم وذراريهم، وجعلهم لهم خولا وعبيدا، وأورثهم أرضهم وديارهم، وأحل الله بهم من البأس والنقمة والجائحة والظهور والغلبة جزاء من الله لمن أخلد إلى المعصية وابتغى غير سبيله المسلوكة. وكذلك يفعل الله بالقوم الظالمين، ويستدرجهم من حيث لا يعلمون، إن الله لا يخلف الميعاد. ثم أنزل الله عز وجل من صار إلى الأمصار منهم هربا، واعتصم بالحصون، وتعوذ بالجبال، ولاذ بالقلاع، ولجأ إلى الأودية، من صياصيهم، وأمكن من نواصيهم، واستخرجهم من أوزارهم ومعاقلهم ومتعوذهم، وأخذ أسيرا ذليلا منكوبا خائفا قد نخب الوجل قلبه وملأ الرعب صدره، متوقعا أن ينزل الله به من النقمات والمثلات ما لا مرد له عن مثله من القوم الظالمين، وفشت في الكفرة الجراحات، وعضتهم السيوف، وشرعت فيهم الفنا، وهرتهم نار الحرب، وغالهم النزال، ومارسهم الأبطال، واستحر فيهم القتل، فصبر لهم الأولياء أحسن صبر، فلم يطيقوا بالموت مراما ولا على الحرب مقاما.
في صفة الخالعين
الناصبين لدين الله، المكذبين بآياته، الجاحدين رسله، الجاعلين معه إلها، لا إله إلا هو، لطول مدتهم، وشدة شوكتهم، وصعوبة مرامهم، وقطعهم السبل وانتهاكهم المحارم وسفكهم الدماء التي أوجب الله على من سفكها بغير حلها واقترف واحتمل وزرها، أليم العذاب وشديد العقاب، فأبوا إلا تماديا في ضلالتهم، وعتوا في طغيانهم، وثبوتا على عصيانهم، ومقاما على كفرهم، لأحداثه السالفة، وغوائله المتقدمة، وبوائقه المشجية، فوقف مميلا بين ثكل التقدم وحقيقة الاصطلام في التأخر، دعاهم إلى الفيئة والمراجعة والإنابة وقبول الأمان والدخول في الطاعة، استظهارا بالحجة عليهم، ورجاء لصنع الله فيهم. فلما بلغهم نزولي فيمن معي، جمع أصحابه، وضم جنده، وتحرز في معسكره، وخندق على منزله، واحترس بجهده، فأقمت معسكري، وأنا مع ذلك في كل يوم أوجه رسلي وأدعوه إلى حظه، من طاعة أمير المؤمنين والدخول في أمانه، وأعلمه أن له نظراء ممن غمط الطاعة، وسفه الجماعة، وقد ركضوا في الفتنة عمرهم وسعوا فيه دهرهم، فانتشر خبرهم، وكثر تبعهم، وكبر وزرهم، وثقل وقرهم، ثم أذعنوا لطاعتهم، واستقلوا ناهضين من عثرتهم، ومنتعشين من زلتهم، فغفرت ذنوبهم، وقبلت توبتهم، وفسح لهم في أمانهم، وشرفت منزلتهم، واستبدلوا بالخوف أمنا وبالذل عزا؛ فأبى به ميل الهوى، وغلبة الشقوة، ومستعلي الغواية، والقدر المحارب، والقضاء المحتوم. وتقدمت في موافقتهم وترغيبهم، والأخذ بالمخنق منهم، من غير قتال، ولا تناول سلاح، ولا تناوش صيال،