والحمد لله الذي جعل اجتهاد أمير المؤمنين ومقام أمره وتدبيره، في آناء الليل ونهاره، فيما فيه صلاح عباده، وإعزاز دينه وإقامة حقه.
تحميد
الحمد لله الذي لما افترض من الطاعة لولاة الأمر من خلفائه جعل أوائلها ناطقة عن فضل أواخرها، وبوادئها مخبرة عن حميد عواقبها، ومواردها مبشرة بالعلو في مصادرها، بما يعقبه أهلها من السعادة في الماضين من أوليائها القائمين بحقها؛ وعاد من الشقوة على مقارفي المعصية الملحدين إليها؛ حين أقبلت بهم هوادي الفتن، وكشفت لهم تواليها عن البوار والهلكة؛ معتذرين حين لا عذر ولا حجة، طالبين للمهارب بعد أن كانت منازل السلامة بهم مطمئنة، وخائفين وقد كانت سبل الأمن لهم واضحة؛ قد جعلتهم النقمة الواقعة بهم أمثالا سائرة ، وفرقت بينهم وبين النعم الشاملة، وحصلت السعادة لمن اتعظ بهم باقية، سنة من الله فيهم ماضية، وعادة جارية، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا.
والحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لخلافته فحرس به دينه من البغاة الناكلين عنه، واختصه بإعلاء رتب كرامته، وافترض طاعته على عباده، وجعلها بمواقعها في دينه نظاما لسائر فرائضه، فتاركها مفارق لعصمة حقه، خارج من جملة الأمة التي سبقت لها رحمته؛ يستنصر أشياع الباطل والله خاذله، ويغالب الحق والله غالبه، ويطلب ما لا سبيل له إليه والله طالبه؛ حتى يخلجه أجله عن أمله، وأقدار الله فيه عن تقديره، ونفوذ قضاء الله فيه عن نفوذ حيله؛ فضلا من الله على أوليائه وقضاء منه عدلا في أعدائه، والله ذو الفضل العظيم.
والحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لرعاية عباده، وحفظ بلاده، وتنفيذ أحكامه، وإقامة حدوده؛ فجمع به الألفة، وكف به بوائق الفتنة، وأصلح به أمور الأمة، وسكن به الدهماء، ودفع به عظيم البلاء، وأنقذ به من الجهد واللأواء؛ وجدد لرعيته العبر الشافية، والعظة الناهية، وجعل همه السعي لربه، وطلب الحق الذي أوجبه له من خلافته، ليؤدي فرضه في الأمانة التي حملها؛ فيوجب له بذلك ما لا يزول ولا ينقطع من ثوابه، فأعمل رأيه في الرأفة بمن ولاه أمره، والحياطة له، والعناية بصلاحهم؛ فأعطاه لين الموعظة في وقت التأني، والنفوذ لإقامة الحجة والبينة، وشدة السطوة على من غمط النعمة وعند به الإصرار عن النزوع والفيئة؛ منا من الله وتفضلا، وإحسانا وتطولا، والله ذو فضل عظيم.
ويسأل الله أمير المؤمنين مبتدئا ومعقبا، وأولا وآخرا، وقبل كل مسألة، وأمام كل رغبة، ومقدمة كل طلبة؛ أن يصلي على صفوته من عباده، وخيرته وخاتم أنبيائه ورسله، محمد عبده ورسوله، أفضل صلواته، ويبارك أكثر بركاته، وأن يديم له كرامته، ويجري عنده أجمل عاداته، ويتمم له ما اختص به من إحسانه؛ حتى يملأ الأرض عدلا وقسطا، والإسلام تأييدا وعزا، والشرك ذلا وقمعا؛ إنه ولي كل نعمة، ومنتهى كل رغبة، وغاية كل حاجة.
ولم يزل أمير المؤمنين منذ الوقت الذي أفضى الله إليه بخلافته، وأكرمه برد حقه من إرث نبوته، يتلقى عظيم النعمة في ذلك بالإخلاص للنية والطوية في الصفح عن كل زلة، والإقالة لكل عثرة، والتعمد للهفوة وقبول الفيئة، والإنابة ممن عظم جرمه، وجل ذنبه، وظن أن لا توبة له؛ وكلما جدد الله له نعمة، جدد له في ذلك نية حسنة، شكرا لله عز وجل على ما ابتدأه به، وارتهانا لنعمه عنده، واستزادة من جميل مواهبه، وتقديم الاهتمام بما فيه صلاح رعيته، واستقامة أمورها، وحياطتها والذب عنها، وكف الأذى والمكروه عن الداني والقاصي منها؛ ويتخلص إلى ذلك بكل ما يجد إليه السبيل ويجتهد فيه، ويعمل لكثرة أوقات دهره في كل ما بلغه محبته نظرا لها، وحدبا على كافتها، وإشفاقا من سوء حالها؛ إذ كان لها والدا برا، وراعيا كالئا، وناظرا لطيفا؛ ويستعمل كل ما يرجو ائتلافها، والإبقاء على أحوالها، والسلامة لها في دينها ودنياها؛ وينصب لذلك ليله ونهاره، ويذيب فيه نفسه، ويجعله شغله دون غيره.