والحمد لله الذي لم يبق لأمير المؤمنين عدوا من الناكثين والجاحدين، والمشركين والمنافقين، حاول نقضا لإمامته التي صيرها الله إليه، وقلده إياها؛ أو صاول جيشا من جيوشه التي أعدها للمحاماة عن دين الله ومحارمه، وإقامة سننه ومعالمه، إلا أحل به النقمة، وأصاره إلى الصغار والذلة، والبوار والهلكة، وعجله إلى ناره وعذابه.
والحمد لله الذي لم يزل يتولى أمير المؤمنين بحياطته، ويتوحد له من إعزاز نصره وإعلاء كلمته، وإفلاج حجته، وتأييد أوليائه وأنصار حقه؛ وأنزل البأس والنقمة والمثلات والسطوة بمن عانده، والذب عن حريم المسلمين وأهله؛ بما يبين به عن مكانه منه، ومنزلته عنده؛ حميدا ربنا بذلك كما هو أهله ومستحقه، مشكورا بعظيم منه فيه وطوله، مسئولا لتمام أحسن عائدته وماضي سنته؛ فإن الله المحمود على نعمه، المشكور بآلائه، لم يزل ما يتوحد به لأمير المؤمنين بسلطانه من التعزيز، وفي أوليائه من التأييد بنصره، عادة يتبين بها برهانه، ويفلج بها حجته، ويدل بها على كرامته عليه، ويخبر بها عن منزلته عنده؛ ويجعل ما نزل بأعدائه المتولين عنه، الراغبين إلى غيره، الملحدين في حقه، عظة لمن قسا قلبه، وران عليه سوء عمله، ليكون ما يعطيه من البسط في ملكه، والتمهيد فيما خوله له، ويوفقه من السطوة بعدوه، والتنكيل بمن خالفه، حجتين متظاهرتين، وعبرتين ىعىىن؛
27
فيعتصم معتصم، وينجو ناج، وليشجب [شاجب]
28
ويهلك هالك، وقد مضت من الله المشيئة، ووضح منه الإعذار، وكان الله بعباده عليما، وبأعمالهم خبيرا.
والحمد لله الذي أكرم أمير المؤمنين بخلافته، وجعله وارث وحيه، وقيمه بكتابه في عباده، وأكرم هذه الأمة التي جعلها خير أمة أخرجت للناس به؛ فهو الميمون في تدبيره المنجح حويله، الميمون النقيبة، الموفق الرأي والسياسة؛ فإن الله عز وجل خلق الخلائق بقدرته، واختارهم بعلمه، فاختار أمير المؤمنين لخلافته، واصطنعه للقيام في العباد والبلاد بأمره وقسطه، وألهمه إقامة أحكامه وفرائضه، والعمل بحقه وعدله، وأبلى أهل الشرك به، وأخرها إلى أيام دولته، وحظرها عمن كان قبله؛ حتى حاز له أجرها، وأبقى له سناءها وذكرها، ونشر عنه أحدوثتها وسماعها؛ وفتح عليه البلدان القاصية، والمدائن المتنائية، التي لم تكن ترام من أهلها، ولا يطمع في زوالها؛ وذلت له الملوك القديم عتوها وعنادها، والأمم المستصعب مراسها وجهادها، الحامية في آباد الدهور حماها؛ فأنفذ فيهم مكيدته، وأنجح سعيه، ورماهم بالتخويف ، وملأ قلوبهم رعبا منه؛ فأذعن مذعنوهم بطاعته، وانقادوا لأمره، وصاروا يدا وأعوانا لأوليائه على أعدائه.
أما بعد، فإن أعظم النعم قدرا، وأجلها أمرا، وأسرها موقعا، وأوجبها شكرا، ما عم الإسلام والمسلمين نفعها، وعادت عليهم عائدتها، وجعل الله فيها عز الدين، وذل المشركين؛ وقد جعل الله ذلك في خلافة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه بيمنه وبركاته، وما أخلص الله من نيته وطاعته، وتأدية حقه فيما استحفظه من أمر دينه وعباده، وفرغ له نفسه، وأنصب فيه بدنه، وأسهر فيه ليله، من حياطة حريم الإسلام، والزيادة في حدودها متصلا متتابعا، والنعم متظاهرة ومتوافرة، فسهل الصعب، وذلل له العزيز، وقصم عتاة الأعداء ومتكبريهم، والمستعصين والمستصعبين منهم، في آباد الدهور على من رامهم، وفتح عليهم حصون مدائنهم؛ وممتنع قلاعهم، وأنفذ مكيدته فيهم؛ فبين مقتول ومأسور، وشريد طريد عن محلته، وموضع عزه ومنعته، مستسلم معط قياده باخع بطاعته؛ وكذا فإن الله بمنه وطوله قد أوصل لأمير المؤمنين من صنعه له فيما قلده من خلافته، وحياطته إياها فيما يحوطه من دينه، وعرفه من كفايته فيما قام به من حقه، وأيده من نصره فيما جاهد عنه في سبيله، ما قد جعل النعمة به عامة، والشكر به لازما، والمنة به واجبة، والصنع عظيما؛ فالحمد لله على نعمه في ذلك كثيرا.