والحمد لله تواضعا لعظمته، والحمد لله إقرارا بربوبيته، والحمد لله اعترافا بقصور أقصى منازل الشكر عن أدنى منزلة من منازل كرامته.
فيما يقرظ به الخليفة
والحمد لله الذي حاز لأمير المؤمنين وراثته، وساق إليه خلافته، بالحاجة منها إليه، والرغبة منه عنها، واستخلص من خلقه من جعله ظهيرا للحوادث، وعدة للنوازل؛ فلما أفضت الخلافة إليه حسر أمامه أحاجلته،
26
وكشف قناعه لمحاربته؛ فالحمد لله الذي اختص أمير المؤمنين بخلافته، وارتضاه لولاية أمر أمة نبيه محمد
صلى الله عليه وسلم ، والقيام بحقه، والذب عن حرماته؛ وحاط له ما استرعاه من ذلك، وقلده بحسن الولاية والكفاية، وتوكل له بالحفظ والتأييد، والنصر والغلبة والظهور على من عند عن طاعته، وصدف عن حقه، وابتغى غير سبيله؛ كرامة من الله تطول بها عليه، ومنة منه توحد بها له.
والحمد لله الذي جعل نية أمير المؤمنين عزيمته، وفكره ورويته، منذ أفضى الله بالخلافة إليه، وجعله القائم بإرث نبيه محمد
صلى الله عليه وسلم ، واستحفظه من عباده وبلاده فيما فيه عز الدين، ونظام أمر المسلمين وترهين الشكر، وإذلال الأعداء، وإشجاؤهم ووقمهم، وتحصين البيضة، وإشحان الثغور، ولم المنتشر، وضم الأطراف؛ لا يفثأه عن ذلك فاثئ، ولا يذهله عن تفقد كبير أمره وصغيره ومقابلته ذاهل؛ يستقل كثير ما ينفق من الأموال في سد الثغور، وتحصينها وحراستها، لما يرجو فيه من جسيم الحظ، وجزيل الذخر، وكثير الأجر؛ تقربا إلى الله واحتسابا له في جنب ثوابه، وكريم مآبه؛ حتى رأب به الصدع، ورتق به الفتق، وأمن به السبل، وأقام به العوج، وأفلج به الحجج، وأعلى به الدرج، وأزهق به الباطل، وأحيا به الحق، وأشام به سيوف أهل الضلالة والفتنة؛ لا تأخذه في القيام بحق الله والانتصار لدينه، والانتصاح لأمة نبيه محمد
صلى الله عليه وسلم ، والذب عن حوزتهم، والرمي من ورائهم، ودفع بائقة أهل الشقاق والنفاق والخلاف والمعصية عنهم فترة ولا سآمة؛ توفيقا من الله، وتسديدا لحرمته، وتأييدا لعزمه، إذ كان لله شاكرا، ولدينه ناصرا، وبحقه قائما؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله وحده، عليه يتوكل وعليه يتوكل المتوكلون.
والحمد لله الذي لم يزل منذ أفضى إلى أمير المؤمنين بخلافته، وحياه بكرامته، يختصه بالخيرة في كل ما أمضى من أمره، ويتولاه بالتوفيق في كل ما أبرم من تدبيره، ويحمل عنه أعباء ما حمله، ويعينه بتأييده على ما قلده، ويحوطه بجميل الصنع فيما ولاه واستحفظه، ويلهمه جهاد عدوه، ويحبوه بنصره؛ حمدا قاضيا لحق نعمته، موجبا أفضل مزيده.
والحمد لله الذي أورث أمير المؤمنين مواريث نبوته، وصير إليه مقاليد خلافته، وأوجب ذلك له بالقرابة برسوله
صلى الله عليه وسلم ، والوراثة لوراثته من عصبته وأولى الناس به؛ ثم أعز نصره، وأعلى كلمته، وأفلج حجته، وأظهر على المشركين والمنافقين، ومن حاده وعانده من الناكثين والمارقين، والباغين والملحدين، فأتعس جدودهم وفعل وفعل.
والحمد لله الذي عرف أمير المؤمنين منذ استخلفه في أرضه، وائتمنه على خلقه، من عظيم نعمه، ولطيف صنعه، وجميل بلائه، واعزاز نصره، وإعلاء يده وكلمته، وإفلاج حجته على من ضاده وحاده، إن الله بعظيم طوله ومنه ارتضى أمير المؤمنين لدينه، واصطنعه لخلافته؛ فملاه سربالها، ورداه بهاءها وجمالها، فاستعمله بالكتاب والسنة والحق والعدل فيها؛ فأيده بقوته، وأعزه بنصره، وحاطه بكفايته، وتولى الصنع له في جميع أموره؛ فلم يكده كائد، ويعانده معاند، ويمرق عن طاعته الواجبة مارق، ويلحد في إمامته ملحد، ممن يعالن بمعصية وشقاق، أو ينطوي على غل ونفاق، إلا أوهن الله كيده، وأتعس جده، وعاجل المبادئ بعداوته، الشاهر على الدين والمسلمين سيفه، باصطلام وبوار، وأمكن منه بذلة وصغار، وقتل المسر غيره، المنطوي على غله بغيظه وغمه، وأماته بدائه وحسرته؛ إنجازا منه جل ثناؤه لوعده، وإتماما لكلمته فيما وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات من استخلافهم في أرضه، والتمكين في دينه؛ وله الحمد دائما، والشكر خالصا، كما هو أهله، وكما ينبغي أن يحمد ويشكر، لا إله إلا هو الواحد القهار.