تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تحميد

الحمد لله المتوحد بالخلق والأمر، قادرا قاهرا أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، وملأه عظمة، ووسعه عدلا، وأتقنه صنعا. والحمد لله الذي أعز بالحق من أطاعه، وأذل بالباطل من عصاه، وجعل الطاعة والجماعة حرزا حريزا، وموئلا منيفا؛ فلم يجمع بين أهل كفر وإيمان، وطاعة وعصيان، إلا توحد بالصنع لأهل طاعته، وأنجح سعيهم، وأعلى كلمتهم، وأفلج حجتهم، وأنزل بأهل الكفر المعاندين عنه، الرادين لأمره الذلة والصغار في عاجلهم وآجلهم؛ حمدا يكون لمزيده موجبا، ولحقه مؤديا.

تحميد في فتح لسعيد بن حميد عن وصيف

أما بعد، فالحمد لله الحميد المجيد، الفعال لما يريد؛ الذي خلق الخلق بقدرته، وأمضاه على مشيئته، ودبره بعلمه، وأظهر فيه آثار حكمته التي تدعو العقول إلى معرفته، وتشهد لذوي الألباب بربوبيته، وتدل على وحدانيته؛ لم يكن له شريك في ملكه فينازعه، ولا معين على ما خلق فتلزمه الحاجة إليه؛ فليس يتصرف عباده في حال إلا كانت دليلا عليه، ولا تقع الأبصار على شيء إلا كان شاهدا له، بما رسم فيه من آثار صنعه، وأبان فيه من دلائل تدبيره، إعذارا بحجته، وتطولا بنعمته، وهداية إلى حقه، وإرشادا إلى سبيل طاعته، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه؛ وله المثل الأعلى في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم.

والحمد لله العزيز القهار، الملك الجبار، الذي اصطفى الإسلام واختاره، وارتضاه وطهره، وأعلاه وأظهره؛ فجعله حجة أهله على من شاقهم، ووسيلتهم إلى النصر على [من] عند في حقهم، وابتغى غير سبيلهم؛ وبعث به رسله يدعون إلى حقه، ويهدون إلى سبيله، بالآيات التي يبينون بها عن المخلوقين، ويوجبون بها الحجة على المخالفين؛ حتى انتهت كرامة الله إلى خاتم أنبيائه، وحامل كتابه، ومفتاح رحمته

صلى الله عليه وسلم ؛ على حين فترة من الرسل، واختلاف من الملل، ودثور من أعلام الحق، واستعلاء من الباطل؛ والناس عاندون عن سبيل ربهم، يتسافكون دماءهم، ويحلون ما حرم الله عليهم، ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم؛ وأيده بالبرهان الواضح، والحجج القواطع، والآيات الشواهد؛ وأنزل عليه كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد؛ وجعل فيه أوضح الدليل على رسالته، وأعدل الشواهد على نبوته؛ إذ عجز المخلوقون عن أن يأتوا بمثله على مر الأيام، وكثرة الأعداء والمنازعين؛ يتحداهم به في المواسم، ويقصدهم بحجته في المحافل؛ ولا يزدادون عنه إلا حسورا وعجزا، ولا تزداد حجة الله عليهم إلا تظاهرا وعلوا؛ ثم أيده بالنصر بأنصار ألف بينهم بطاعته، وجمعهم على حقه، ولم شعثهم بنصرة دينه، بعد الشقاق المتصل بينهم، والحرب المفرقة لجماعتهم؛ كما قال عز وجل:

هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين . وقدم إليه وعده بالنصرة والتمكين؛ فجعله بشرى للمؤمنين، وحجة على الكافرين، ودليلا على ما بعثه به من الدين؛ فهزم بالقليل من عددهم الكثير من عدد أعدائهم، وغلب بضعفائهم أهل القوة ممن ناوأهم؛ ففل به حدهم، وفض جموعهم، وافتتح حصونهم، وحريز معاقلهم؛ وأظهر بحجته ونصره عليهم، وأنجز سابق وعده لهم وفيهم، والله لا يخلف الميعاد.

تحميد لابن المقفع

الحمد لله ذي العظمة القاهرة، والآلاء الظاهرة؛ الذي لا يعجزه شيء ولا يمتنع منه، ولا يدفع قضاؤه ولا أمره؛

إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . والحمد لله الذي خلق الخلق بعلمه، ودبر الأمور بحكمه، وأنفذ فيما اختار واصطفى منها عزمه؛ بقدرة منه عليها، وملكة منه لها، لا معقب لحكمه، ولا شريك له في شيء من الأمور، يخلق ما يشاء ويختار؛ ما كان للناس الخيرة في شيء من أمورهم، سبحان الله وتعالى عما يشركون.

والحمد لله الذي جعل صفوة ما اختار من الأمور دينه الذي ارتضى لنفسه ولمن أراد كرامته من عباده، فقام به ملائكته المقربون، يعظمون جلاله، ويقدسون أسماءه، ويذكرون آلاءه، لا يستحسرون عن عبادته ولا يستكبرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون؛ وقام به من اختار من أنبيائه وخلفائه وأوليائه في أرضه، يطيعون أمره، ويذبون عن محارمه، ويصدقون بوعده، ويوفون بعهده، ويأخذون بحقه، ويجاهدون عدوه ؛ وكان لهم عند ما وعدهم من تصديقه قولهم وإفلاجه حجتهم، وإعزازه دينهم، وإظهاره حقهم، وتمكينه لهم؛ وكان لعدوه وعدوهم عند ما أوعدهم من خزيه، وإحلاله بأسهم، وانتقامه منهم، وغضبه عليهم، مضى على ذلك أمره، ونفذ فيه قضاؤه فيما مضى، وهو ممضيه ومنفذه على ذلك فيما بقي، ليتم نوره ولو كره الكافرون؛ وليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.

عصر المأمون · الصفحة ٤٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٢٩