تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين

والحمد لله الذي اجتبى محمدا

صلى الله عليه وسلم

بما اصطفاه من نبوته، واختاره له من رسالته، وحباه بفضيلته، واجتباه من أفضل عمائر العرب، وأشرفها منصبا، وأعرقها حسبا، وأكرمها نسبا، وأوراها زنادا، وأرفعها عمادا، فبعثه بالنور ساطعا، وبالحق صادعا، وبالهدى آمرا، وعن الكفر زاجرا، وعلى النبيين مهيمنا، وإلى سبيل ربه داعيا، وبالكتاب عاملا، فبلغ عن الله الرسالة، وهدى من الضلالة، وانتاش من الهلكة، وأنهج معالم الدين وأدى فرائضه، وبين شرائعه، وأوضح سننه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله حق جهاده حتى أتاه اليقين،

صلى الله عليه وسلم .

تحميد لأبي عبيد الله

الحمد لله الذي شرع لإظهار حقه وإنفاذ سابق قضائه فيمن ذرأ وبرأ من عباده، بإدخال من أراد أن يدخل في رحمته، وإنجاز ما حق له من العبادة على خلقه، بابتدائه خلقهم ، ومظاهرته الآلاء عليهم، وإحسانه البلاء عندهم، وإبلاغه في الحجج إلى عامتهم، دينا رضيه لنفسه وملائكته الذين أسكن سماواته ورسله، فأتمن على وجه من لم يرض إلا به، ولم يقبل إلا إياه، ثم كان ما أعز به نفسه، وأظهر به نوره، وأراد أن يبلو به عباده، تحقيقا لما سبق به علمه، وإنفاذا لما جرت به مقاديره، أن بعث لما شرع من دينه، واصطفى لتسبيحه وتقديسه من ملائكته المقربين، من ارتضى واختار من أنبيائه ورسله المجتبين، لتبليغ رسالته وإظهار حقه، واستشلاء

24

من أراد سعادته من خلقه بالرحمة التي اطلعت عليهم وعمتهم، ليعبد مخلصا له، محمودا بما استحمد به إلى خلقه، مشهودا له بما أشهد به من كلمة الحق، فكان منهم التبليغ لما أرسلوا به، والنصيحة لمن أرسلو إليه، غير مختلفين فيما بعثوا له، ولا متفرقين فيما استعملوا فيه، يدعوهم آخر إلى ما دعاهم إليه أول، فيصدق بذلك بعضهم بعضا، ويهدون إلى الحق وإلى طريق مستقيم، فمضت رسل الله وأنبياؤه على ذلك سالكين منهاج الحق وسبيله، والدعاء إلى الله عز وجل وإلى طاعته، هادين مهديين غير مبخوسين شيئا مما كانوا أهله في المنزلة عند الله، والقربة منه، والوسيلة إليه، هم ومن آمن بهم وعززهم، واتبع النور الذي أنزل معهم، حتى تقضت بهم الأعمار، وتقطعت بهم الآثار، وتخرمتهم الآجال.

وكذا لأبي عبيد الله

الحمد لله الذي جعل الإسلام رحمة قدمها لعباده قبل خلقه إياهم، واستيجابهم إياها منه، فاصطفاه لنفسه وشرعه لهم دينا يدينون به، ثم جعل تحديد وحيه ومتابعة رسله رحمة تلافاهم بها بعد تقديمها، ومنة ظاهرها عليهم قبل استيجابهم لها، تطولا على العباد بالنعماء، وإعذارا إليهم بالحجج، وتقدمة بالوعد، وإنذارا إليهم عواقب سخطه في المعاد.

والحمد لله الذي ابتعث محمدا

صلى الله عليه وسلم

بهداه وشرائع حقه على فترة من الرسل، وطموس من معالم الحق، ودروس من سبل الهدى، عند الوقت الذي بلغ في سابق علمه ومقاديره، أن يجتبي لدينه الأصفياء، ويختار له الأولياء، الظاهرين بحقه، القاهرين لمن ابتغى سبيلا غير سبيله، فعظم حرمته، ووسع حوزته، وصدع بأمره، وجاهد عن حقه في حومات الضلالة وظلمات الكفر، بالحق المبين؛ والسراج المنير، ثم جعله مصدقا لمن سبقه من الرسل ومجددا لما بعثوا له وهدى ورحمة؛ ثم جعل لدينه وظائف وظفها على أهله، وشرائع شرعها لهم لا يكمل دينهم إلا بها، وجعل أداءها إليه، واعتصامهم بها إماما لدينه، ونظاما لنوره، وقواما لحقه، واستيجابا لما وعد عليه من ثوابه، وأمنا لما أوعد من خالفه من عقابه؛ فليس يسع أهل الإيمان بالله الذين أكرمهم به وأجزل لهم فضله وأجره، وجعل لهم عزه وعلوه، واختار لهم الغلبة والعاقبة على من فارقهم فيه إلا معرفتها، وأداؤها بما يستكمل به حدودها، ومما لها من كذا وكذا.

عصر المأمون · الصفحة ٤٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٢٦