تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعنده مفاتح الغيب

إلى آخر الآية.

وتحميد ثان

الحمد لله الذي علا بالحجب التي استتر بها عن جميع خلقه، واستغنى بها عنهم لما توحد به دونهم من عباده الذين فطرهم على المعرفة، رءوفا عليهم بمنه ومتطولا وهو فيما يمضي من أقداره، مفصلا لهم بابتدائه خلقهم في أحسن تقويم، وإعطائه إياهم عاجل كل خير مقسوم، وتسخيره لهم جميع ما في السموات والأرض، وبسطه لهم في معايشهم أوسع الرزق، وإسباغه عليهم فيها أفضل النعم التي لطفت فبطنت، وعظمت فظهرت، ولبست فعمت، وانتشرت فجللت، وكثرت فلا يحصيها عاد، وجزلت فلا يؤدي حق ما افترض منها شاكر، فإنه يقول:

وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم .

والحمد لله الذي لم يقتصر بهم في إكرامه وتفضيله إياهم على عاجل، فإنه مضمحل زائل مما أعطاهم إياه، ولم يكلهم في معرفة خالقهم تبارك وتعالى، ومتولي النعم عليهم، والإحسان إليهم، والارتياش لهم؛ ولا في مبتغى سبيل طاعته، وأداء حقه، وشكر نعمته، واستيجاب غبطة المعاد إليه إلى أن يعوا ذلك بعقولهم، والنظر فيه بألبابهم، والتصريف له على أهوائهم؛ فإنه لو ألجأ ذلك إليهم، وأفردهم فيه إلى أنفسهم، ووكلهم فيما أمرهم به إلى مقدرتهم، لحارت عنه منهم الأبصار، ولتاهت فيه منهم العقول، ولأضلهم عن قصده العمى، ولمال بهم إلى غيره الهوى، ولاستحكم عليهم شرك الردى؛ ولكنه بعث فيها أنبياءه الهادين، يدعونهم إلى الصراط المستقيم، بنوره المضيء، ودينه القويم، وآياته البينة، وكتبه الفارقة التي بين فيها محابه ومكروهه، وطاعته ومعصيته، وثواب الفريقين في ذلك من عباده ليحذروا ما حذرهم فيه من سخطه، ونزل بهم فيه من نقمته؛ وليسارعوا فيما جعل لأهله به إلى أفضل المثوبة، وأحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وكشف لهم الجهالة، وهدى من الضلالة، وبصرهم سبيل الحق، وبين لهم معالم الإسلام، ليرجع جائر، ويقصد زائغ، ويعرف جاهل، وليعبد الرب بما وحد به نفسه، وليستبين العلم، ويستضيء الحق، وليبتغي من الله الثواب بلزوم دينه الذي شرع، وأداء فرائضه التي فرض، وإيثار طاعته التي أوجب، وليكون لله الحجة البالغة على عباده فيما تركوا من ذلك وسفهوا بعد استبانته لهم، واستفاضته فيهم وإعذاره إليهم، فإنه يقول:

ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم ، ويقول:

ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى .

لأنس بن أبي شيخ

الحمد لله الذي بالقلوب معرفته، وبالعقول حجته، الذي بعث محمدا

صلى الله عليه وسلم

أمينا فوفى له، ومبلغا فأدى عنه فحج به المنكر، وتألف به المدبر، وثبت به المستبصر، إلى أن توفاه على منهاج طاعته، وشريعة دينه، ثم أورثكم عهده وخصكم بكلمة التقوى، وجعلكم الأمة الوسطى.

ولعبد الحميد في فتح يعظم فيه أمر الإسلام بمحمد

صلى الله عليه وسلم

أما بعد، فالحمد لله الذي اصطفى الإسلام دينا رضي شرائعه، وبين أحكامه ونور هداه، ثم كنفه بالعز المؤيد، وأيده بالظفر القاهر، وآزره بالسعادة المنتجبة، وجعل من قام به داعيا إليه من جنده الغالبين، وأنصاره المسلطين، كلما قهر بهم مناوئا أورثهم رباعتهم المأمولة، وأموالهم المثرية، ودارهم الفسيحة، ودولتهم المطولة، أمرا حتمه على نفسه؛ ثم جعل من عاندهم وابتغى غير سبيلهم مسلما قد استهوته ذلة الكفر بظلمها، وحيرة الجهالة بحوارها، وتيه الشقاء بمغاويه، وكلما ازدادوا لدعوة الحق إباء، ازداد الحق إليهم ازدلافا، وعليهم عكوفا، وفيهم إقامة، إلى أن يحل بهم عز الغلبة؛ ونجاة المتجاوز؛ راغبين فيما شوقهم إليه، محافظين على ما ندبهم له، قد بذلوا في طاعة الله دماءهم، وقبلوا المعرض عليهم في مبايعة ربهم لهم بأنفسهم الجنة. محمود صبرهم، مسهل بهم عزمهم، إلى خير الدنيا والآخرة.

عصر المأمون · الصفحة ٤٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٢٤