تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتحميد ثان يتلو الأول

الحمد لله المتعالي عن تشبيه الجاهلين، وتحديد الواصفين، وتكييف الناعتين؛ يوصف لا بالعرض والطول ، وينعت بغير الشبح الممثول، ويحد لا بالخلق المعدود، والجسم الموجود؛ بل يتناهى من وصفه، إلى ما دل عليه من صنعه، ويوقف عليه من نعته، على ما أخبر به عن نفسه؛ وكيف يوصف من لم يره أحد، ويحد من لم يحده بلد؛ أو يشبه غير ذي أعضاء، أو يكيف غير ذي أجزاء؛ لو رئي لوصف، ولو وصف لمثل، ولو مثل لكان له نظير؛ سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، لا تجنه الأقطار، ولا يحويه قرار؛ ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير؛ لا يوصف أولاه، ولا يدرك أخراه، ولا يعرف منتهاه؛ عظم أن يحصره وهم، وجل أن يدركه فهم، وامتنع من أن يخاله علم، ولا يغيره ليل ولا يوم؛ ولا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السموات وما في الأرض، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وسع كرسيه السموات والأرض ولا يئوده حفظهما، وهو العلي العظيم.

وتحميد ثالث

الحمد لله الذي ألهمنا من الإقرار بربوبيته، والإيمان بوحدانيته، وأنه غير ذي صاحبة يسكن إليها من وحشة، ولا ولد يتكثر به من ضعف قلة، ولا شريك يعاونه من عجز قدرة، ولا ظهير يكانفه لملال فترة؛ ما جعل لنا به أوثق الأسباب لديه، وأرجى الوسائل إليه؛ إذ كان من أنكر ما دللنا الإقرار به يصير بجحد ما أخنعنا الاعتراف فيه، إلى أليم عقوبته بالمعصية التي استحكمت السخطة على أهلها، وحلت النقمة بمن فارقها؛ ثم جعلنا تبع إشراف كثير على أنفسنا في مشيئة منه، بسط إليها آمالنا وأحسن عليها أطماعنا بكرم عفوه، وعظيم حلمه، وسعة رحمته، التي وعد أهل الإيمان بها؛ إذ صار من فارقهم في ذلك بما استهوت عليهم، بتزيينه لهم شياطينهم، ورانت على أفئدتهم

23 ... وما ظلمته قرباؤهم إلى الناس من كل طمع يجدي وخبر ينجي؛ جزاء بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد حبط عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين.

وتحميد يتلو الثالث في هذا المقام

الحمد لله الذي ابتدع لا من شيء ما أنشأ، وابتدأ على غير مثال ما ابتدأ؛ فجعل كثيرا من لطائف تقديره، وصنوف تدبيره، وتصاريف أموره؛ حججا واضحة، وآيات بينة، وعبرا شافية؛ تشهد له بعزة القدرة، ونفاذ الحول والقوة؛ فخلق مدبرا بلا مشورة أحد، سبعا دحاهن على الماء على غير سند؛ مبسوطات في تكاثف أجزائهن، على معين ماء مسخر من تحتهن، فجر خلالهن أنهارا، وقدر فيهن من المعاش أقواتا، وجعل لهن من الجبال أوتادا، ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا آتينا طائعين. ففطر من الدخان في خفته على الهواء سبعا، جعل بينهن من الجو متسعا، سبع سموات طباقا مرتفعات، بلا دعائم قبلها ولا علاقات، يمسكهن بقدرة أن يرتفعن فوق ما حبسهن عليه، وأن يهوين إلى قرار دون ما رفعهن إليه؛ فأتقن صنعها، وأوحى في كل سماء أمرها؛ وزين السماء الدنيا بالمصابيح النيرة، والشهب الثاقبة، والنجوم الواضحة؛ وسخر الشمس والقمر علما للمهتدين، وسراجا للمبصرين، ورجوما للشياطين، وأوقاتا لاختلاف السنين، ومعرفة لكل حين؛ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون؛ فقضاهن سبع سموات في يومين، ولو شاء خلقها في أسرع من طرف العين؛ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون؛ بلا معاناة لقول، ولا ضعف من حول؛ ثم أسكنهن من خلقه ملائكة اصطفاهم لعبادته، واجتباهم لتبليغ رسالته، معصومين من أن يشركوا بالله، ما لم ينزل به سلطانا، وأن يقولوا على الله إفكا وبهتانا؛ يسبحونه بالليل والنهار لا يفترون ولا يسأمون من عبادته، ولا يستحسرون عن طاعته؛ يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون.

عصر المأمون · الصفحة ٤٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٤٢١